عيسى الشيخ حسن*

يمضي الفيلم التسجيلي الصيني "الترحال" في ثلاثة مسارات، تلتقي وتفترق وتتناوب على مدار 52 دقيقة، تبدأ برحلة حج بوذية، وتنتقل إلى ترحال قبائل البدو، وتنتهي بحياة الاستقرار، واختزال فكرة الترحال إلى تبادل البضائع والمعرفة.

الأثير واللافت في الفيلم تلك القصيدة البصرية التي كتبتها كاميرا شاعرة، مشت ببطء في طبيعة فائقة الجمال، ورصدت شلاّلا من الصور التي ذكرتنا بالمجلاّت الدعائية الصينية الصادرة بالعربية ثمانينيات القرن الماضي.
على هذا الكوكب المليء بالحياة لا يستمرّ إلا الأكثر قدرة على التغيّر (الجزيرة)

في جنوب غرب الصين، حيث سلاسل الجبال المرتفعة قريبا من قمة الهيمالايا التي تسجل أعلى نقطة في العالم في ارتفاعها عن سطح البحر، وصخب المياه الهادرة في المحيط الهندي، والضباب المرتفع فوق رؤوس الجبال، تترجم مقولة الفيلم: "على هذا الكوكب المليء بالحياة لا يستمرّ إلاّ الأكثر قدرةً على التغيّر"، في وصف ثقافة الترحال التي يتحدث عنها الفيلم في الدقائق التالية.

رحلة حج بوذية
في مقاطع قصيرة متناوبة مع مشاهد أخرى، ثمة حجاج يرحلون في طقس مهيب، يصعدون المرتفعات للتعرف إلى "طعم الجبل"، كما تقول قصيدة هايكو بعنوان رحلة حج بوذية للكاهن الياباني سانتوكا تانيدا.

عشرون رجلا يرتدون ثيابا خشنة، ويضعون القفازات والقباقيب في أيديهم، ويمشون على الأقدام مسافة ألفي ميل، بمعدل تسعة كيلومترات في اليوم، وفق طقوس دينية شاقّة، تقتضي التمدد على الأرض في كلّ خطوة وملامسة كامل الجسم للتراب.

الحجاج ليسوا غريبين عن المكان، فقد رعوا الماعز والياك، وخبروا شظف العيش وبرودة الطقس وقلّة الأوكسجين في المرتفعات، إنهم يصلّون من أجل السلام، وبرغم الرحلة الصعبة، إلاّ أنها هدف مقدّس وحلم منشود عند الصغار كما تقول الطفلة في الفيلم. وكما بدؤوا الفيلم فإنهم يختمونه بوصولهم إلى المكان المقدس المقصود. ممزوجة بصور مختلفة تترجم معنى الترحال، ترحال شعب التبت، وترحال أناشيدهم، وطبيعتهم حيث تذوب الثلوج في الربيع وترحل إلى الوديان فالبحر.

الشاحنة والحصان
في المسار الثاني، وهو متن الفيلم في ترصّد ترحال بدو الصين في هذا الإقليم، تعيش في هضاب على مستوى 4000م فوق البحر، عائلة باسانغ داو في "بيت شعر" وتمتلك قطيعا من الماعز والياك، ولكنّ داو يفكر في مستقبل الصغار دون مدارس في حياة الترحال.

تعيش العائلة حياة سعيدة برغم شظف العيش والعمل، وفي مشاهد قريبة الصلة بالطبيعة العربية البدوية نشاهد الأم تحلب الماشية، وتصنع الجبن، وعلى غرار المسلسلات البدوية ثمة فتاة على غدير ماء تملأ جرّتها، وشابّ يتأملها عن قرب، ولكنّ المشكلة تكمن في تبدّلات المناخ، ففي سبتمبر/أيلول يحلّ الشتاء ويكون همّ الرعاة البحث عن مراعٍ جديدة.

ثمة تآزر بصري جعل الفيلم يقترب من التسجيلي إلى الدرامي (الجزيرة)

تنتقل الكاميرا إلى عائلة سيرين وتصوّر أثر الرحيل في العائلة، فالكبار مرتبطون بحياة البراري، والشباب يحبّون حياة التجمعات الجديدة، التي يتبنّاها برنامج الحكومة لتوطين الرعاة، وترشيد المراعي.

تغادر عائلة سيرين في مشهد حزين، يودّعون فيه المراعي بنثر أوراق بيضاء على الأرض مع سقوط البرد، وفي مشهدٍ تالٍ يختصرُ أصالة البقاء والتمسك بالمرعى، وحداثة الترحيل، حين تلمّ العائلة أغراضها في شاحنة صغيرة (بيك آب) ويظلّ الجدّ يذرع البراري على صهوة حصانه، في ترميز للصراع في أيقونتي الحصان والبيك آب، على غرار عنوان توماس فريدمان "لكزس وشجرة الزيتون".
يودّع المكان الذي يعدّه جزءا منه قبل أن يرضخ لفكرة الرحيل قائلا "الترحال هو نمط عيشنا تناغما مع الطبيعة" في حين يختار المخرج مشاهد قصيرة متوالية تظهر فيها ثقافة القبيلة في حياتها حيث تنشد الجدّة مع فتيات من القبيلة أناشيد مع رقصات ذات طابع فولكلوري في مروج خضراء تفيض بالجمال.

ثمة تآزر بصري سمعي في المشاهد التي قرّبت التسجيلي من الدرامي، دراما عشق الأرض، وفكرة "الوطن البدوي" المستغرق في الأدب الجاهلي. تقترب الكاميرا أكثر من الوجوه وهي ترصد أثر الوداع الحزين. وداع مرحلة وأسلوب حياة تتجه الدولة إلى تغييرها لمسوغات غير كافية.

بعيدا عن الدراما البشرية يأخذنا المخرج في ثلاث دقائق إلى طبيعة الإقليم، فتمتعنا الكاميرا بمناظر مدهشة للتبت، في مشهديات خالية من المجاميع، حيث الطرق تلتفّ بين يونان والتبت، وقد تشكلت منذ حوالي ألف عام بين جبال سيشوان والتبت بمحاذاة نهر جينشا، على شكل تعرجات حادّة على الجبال وتروى عنها قصص يكتنفها الغموض عن خطورتها، وهناك ترى آثار أقدام الأجداد على الطريق الضيقة المتعرجة تدل على خطورة دروب التبت، إضافة إلى الارتفاع الشديد عن سطح البحر والنقص في الأوكسجين الذي يؤثر على استجابة الناس ويضعف قدراتهم الذهنية.

يضع المخرج العوامل السابقة شارحا توجه الحكومة إلى توطين البدو في بيئة لها خصوصيتها، حيث ثلاثة أنهار غزيرة، في مناخ دافئ، يوفر المرعى الأهمّ في الهضبة.

بيوت ومدارس ومجتمع أمومي
من الخيمة إلى البيت، وحول بحيرة لوغو تنتظم حياة جديدة، السلطة المطلقة فيها للأمهات (روح العائلة) كما هو الحال عند شعب موسيو. ترافق الكاميرا نازو لامو الأم الشابة المتعلمة، حيث تعمل مرشدة سياحية، فرغم زواجها ظلت نازو مع أمها، حيث تقيم شقيقاتها أيضا، بينما يقيم زوجها عند أمه في القرية ذاتها، ويزورها مساءً، في تقليد اجتماعي اتبعه شعب موسيو منذ زمن بعيد. تشرف نازو على تربية ابنتها وتعليمها بينما يراعي زوجها أبناء إخوته في منزل أمّه، وفي المدرسة يجتمع كل الأبناء.

في حياة القرية أكثر من مصدر للرزق غير السياحة التي ضعفت بسبب العمل في الطريق الجديد المؤدي إلى البحيرة. فثمة رعي الماشية، والبحث عن الأعشاب النادرة في رؤوس الجبال، حيث اغتنت بعض الأسر من جمع عشبة ازالياس "دودة العشب". فقد جمع غونغبو في ثلاث سنوات ثمن مسكن. لقد أصبح البحث عن دودة العشب هوسا مثل البحث عن الذهب عند الأميركان. وفي الفترة الأخيرة ركن أهل التبت إلى الاستقرار وبناء بيوتهم التقليدية حين تنقطع الأمطار.

رغم مظاهر الحداثة التي تطرحها الدولة الصينية يبقى التبتيون مغرمين بالترحال (الجزيرة)

ثمة قرية وبيوت واسعة وطريق وسيارات عابرة، تخترق الطبيعة البكر، وعشرات الأشخاص يعملون لبناء بيت جديد دون مقابل، بحسب تقاليد المكان، في حين لا تجد الجدات غير انتظار أحفادهن القادمين نهاية الدوام المدرسي، وقص الحكايات تحت الشمس الدافئة.

يقف المخرج على المعنى العميق للترحال نهاية الفيلم، إذ كل شيء يتغير، فقانون الطبيعة لايقاوم. والوقت مجرد لحظات عابرة، فالانتقال الذي كان يقتضي أياما بين جبلين، صار يستغرق دقائق عبر أسلاك التلفريك. وجيلا بعد جيل تنبني مدن وتندثر أخرى، وتبقى المعاناة ذكرى تحملها شعوب التبت وتستحضرها في طقوس الحج، وفي تلمّس مواقع خطاهم التي شكّلت الدروب، وأعلنت عنهم بشرا يهاجرون باستمرار.

في فيلم "الترحال" كانت الطبيعة هي البطل الحقيقي، الطبيعة التي استغرقت معظم الأفلام التي أنتجت عن التبت سابقا، وقد برعت الكاميرا في نقل الجمال إلى المشاهد، إلى الحدّ الذي طغى على مقولة الفيلم المهمّة والعميقة، فقد تفاعلت براعة التصوير مع عبقرية المكان، في صناعة نصّ بصري مدهش.

* كاتب سوري مقيم في قطر

المصدر : الجزيرة