سهى صباغ*

معظم الأزياء التي تُبتكر تنتهي في بضعة أشهر أو سنوات، إلا اللباس الفلكلوري. وحتى هذا تطرأ عليه تحولات، خاصة إن دخل البلد استعمار، أو اجتاحته ثقافات أخرى دخيلة عليه.

أما الجينز فبات الموضة المزمنة، ويبدو أن "فلكلور" الجينز الأميركي في العصر الحديث دخل معظم بلاد العالم واستقر فيها. في البداية كان اسمه "كاوبوي" (سروال يرتديه رعاة البقر في الغرب الأميركي)، وأصبح في عصرنا الحديث لباسا عمليا يتناسب مع الحياة العملية اليومية، ليصبح فيما بعد، موضة يتفنن فيها مصممو الأزياء على توالي السنوات والفصول.

قذف الجينز بالرمل يدفع ثمنه العمال الفقراء (الجزيرة)

يفضل الكثير من مرتدي الجينز أن يكون رثا في بعض جوانبه كي يعطي انطباعا بأنه قديم ومستهلك ونموذجي لراعي بقر ينهب الأرض على حصانه يطارد الأعداء.

وحتى يكون الجينز رثا لا بد من قذفه بالرمل، وهي المشكلة التي تقصّاها الفيلم التسجيلي "الجينز الأزرق الصيني" ضمن سلسلة "عالم الجزيرة".

يوجه العاملون عبر تقنية قذف الرمل حبيبات دقيقة عبر رشاش هوائي على القماش، مما يشكل خطرا على صحة العامل وأحيانا تتسبب في وفاته.

أكثر العاملين ليس لديهم أدنى فكرة عن خطورة هذا العمل الذي يمتهنونه، رغم وسيلة الوقاية التي يستعملونها، ألا وهي الكمامات التي يضعونها على وجوههم، فهي كرتونية لا توفر الوقاية اللازمة.

أرباح بالمليارات من وراء الجينز الأزرق.. وقليل من يعرف الكواليس الخفية (الجزيرة)

الجينز الأزرق سروال تُصرَف عليه ملايين الدولارات ليكون رثا، ومن المتوقع أن تصل أرباحه العالمية في العام 2020 إلى 64 مليار دولار سنويا. أما السروال الرث لأصحابه "الأصليين" -أي الفقراء- فثمنه مكلف أكثر: جوع وتعب وألم، بل وتهديد الحياة نفسها.

ولسخرية القدر أو البشر، أصبح سروال الجينز الرث هو الأكثر موضة وربما الأكثر أناقة في العالم، وأصحاب السروال الرث "الأصليون" هم من يصنعونه في المعامل، وهم أكثر المتضررين منه.

لا ينام العامل أحيانا لمدة يومين متتاليين حين تكون هناك طلبية مستعجلة.. لا تجبرهم إدارة المصنع -حسب كلام مديرهم- أن يعملوا كل هذا الوقت، بل هم من يختارون ذلك بسبب حاجتهم إلى المال، ورغبتهم في زيادة بعض السنتات.

في ساعة الغداء، يُظهر الفيلم العمال وقد تمددوا على المقاعد منهكين بسبب الوقت الطويل في العمل، والجهد الذي يبذلونه، مفضلين التقاط أنفاسهم وأخذ بعض لحظات الراحة والنوم، على أن يتناولوا الطعام.

الفيلم سريع، جيد التقطيع (المونتاج).. لا وقت للتوقف عند الشكوى، فهو بأكمله يعرض المأساة. أماكن سكن العمال لا تخلو من تلوث وافتقار إلى التهوية والنظافة.. أسلاك الكهرباء ظاهرة، وهي مشكلة أخرى تُعرّض حياة الناس للخطر.. الأراضي خارج المصنع، جميعها ملوثة من بقايا هذا الجينز الشاغل للعالم.

بقايا قماش في الهواء الطلق مطروحة كي تتعفن تحت الشمس، بما فيها من مواد كيميائية تلوّث الأرض والماء.. البيئة تدفع ثمنا باهظا أيضا.. أنهار ملوثة، مياهها لم تعد صالحة للري، فأنبوب المياه التي تحتوي على المواد الكيميائية يصب في النهر مباشرة.

التلوث الذي تسببه مصانع الجينز قتل زراعة الموز في الصين (الجزيرة)

في منطقة تغيرت جذريا، لم يعد باستطاعة المُزارع ممارسة عمله بشكل سليم.. أشجار الموز تموت.. إنهم يتخلصون من كل شيء برميه في النهر.. وعندما يلمس الناس الماء، تُصاب بشرتهم بالحكاك، وتتشقق.

يقول أحد المزارعين -وهو في الثمانين من عمره وعلى وجهه الاشمئزاز- "تَصَور مدى قذارة ْذلك".

أرضه تتشوه، وليس من قدرة على حمايتها، وأصحاب العلامات العالمية هم من يتحكمون في صحة الناس والبيئة، في الصين.

يحاول الفيلم الدخول إلى المصانع والأماكن المحظورة على غير العمال.. أحيانا لا يُوَفق، وكأنها أماكن سرية، وأحيانا أخرى، يدخلها عن طريق شخص ينتحل صفة عامل. في هذه الحالة، يكون التصوير غير ثابت وغير محترف، لكن هذه الطريقة -وبعد ظهور الهاتف الخلوي، والكاميرا التي يحتوي عليها- أصبحت مألوفة في بعض التحقيقات والأفلام التسجيلية. هناك من يخبر -وهو يُغطي رأسه- عن مدى الظلم الذي يتعرض له العامل، لكن لا خيار.. إنها لقمة العيش.

قدم أهالي المناطق الملوثة في الصين شكاوى بسبب الأضرار البيئية، وقامت احتجاجات في هونغ كونغ، لكن الأمور لم تتحسن. حسب خبراء ومهتمين بالبيئة درسوا وتحققوا من الأضرار، يعتبرون أن النتائج ستكون كارثية لو تُرِكت الأمور على ما هي عليه (وكأنها ليست كارثية في الوقت الحالي!). لكن لا نتيجة حتى الآن مع مصانع معدومة الضمير، تستثمر كل سنت في عملية التوريد، ولو دفعوا بعض السنتات الإضافية لقصدوا مصنعا يستعمل مواد أقل ضررا.

اقتصاديون يحذرون من خسارة مصداقيتهم إذا استمروا في تقنية قذف الرمل (الجزيرة)

إنتاج الجينز والملابس الناتجة عنه يستهلك نسبة عالية من الموارد الطبيعية ويسبب التلوث، فالسروال الواحد يتطلب 3625 لترا من الماء، وثلاثة كيلوغرامات من المواد الكيميائية، و400 ميغاغول من الطاقة. في المعظم كما يقول الفيلم، إن الجناة حاليا هم أصحاب المصانع التي لا تعمل لعملاء مشهورين (هل هذا الكلام دقيق؟)، كما أن هناك اتجاها عالميا لشركات عالمية معروفة كي تعمل بشكل أقل ضررا.

يقول وكيل في توريد الملابس، إنهم سيخسرون المصداقية لو لم يتوقفوا عن استعمال تقنية قذف الرمل.. أهو جاد في ذلك؟!
____________
* كاتبة لبنانية

المصدر : الجزيرة