الحبيب ناصري*

منذ شاهدت فيلمه "أمل دنقل"، أحسست بأننا أمام مخرج آت إلى مجال الحكي السينماتوغرافي التسجيلي الدال، بل قلت إنه من الممكن الرهان على هذا المخرج المصري العربي الشاب، والمتشبع بتكوين أكاديمي كزاد نافع، ولا سيما ونحن في عالمنا العربي في أمس الحاجة إلى دماء جديدة تغني حقل الفيلم التسجيلي، الذي هو اليوم رهان ثقافي وجمالي دال. الأمر يتعلق بالمخرج مصطفى محفوظ الذي استطاع النبش بلغة تسجيلية جميلة ودالة في فيلمه "رشيد غلام".

على امتداد 52 د، استطاع أن يمارس "سلطته" الفنية/الإخراجية، علينا كمتلقين، ولا سيما والأمر لا يخلو من مجموعة من المخاطر.

من جهة نحن أمام منشد/مطرب، (لكل بنية معجمية لها دلالاتها هنا)، هو آت من عالمين متناقضين، عالمه الأول الذي بزغ في عالم الغناء "المدنس"، عالم الهوى الليلي المادي، لينتقل فيما بعد نحو عالمه الثاني، الطرب "المقدس"، عالم الهوى الليلي/الروحي.

المخرج مصطفى محفوظ نبش في اللغة الطفولية لبطل فيلم رشيد غلام (الجزيرة)

الانتقال هنا جر على صاحبه العديد من الشجون ذات البعد السياسي/السياسوي، وهو البعد الذي نجح المخرج في الانفلات منه، بل في اعتقادي المتواضع، لو غطس فيه لبقي في وحل السياسة.

لكن فطنة كتابة/إخراج العمل، جعلتنا أمام صوت فني وجداني عريق، صوت له شجونه الروحية التي هي نعمة ممتعة ولها وظيفتها الجمالية، بغض النظر عن قوالب السياسة التي تتبدل وفق الأهواء ولغات زوايا النظر الدنيوية.

هنا تم القبض على لحظات متعة جعلتنا نتمايل، ونستمتع بشجون الحكي الفني الصوتي الجمالي الإنساني. صورة "المنع"، هذه استطاع المخرج المتشبع بلغة الحكي السينماتوغرافي أن يستعيرها من لغة علامات المرور والسير. ففي ثوان معدودة مرر بجمالية كبيرة دلالات السياسة/المنع.

توظيف سنجد له ما يضاده: لغة النور السماوي. بهذا تمكن المخرج من خلق صورة استعارة بين الأرض والسماء، وبشكل دال ومعبر عن حالة "بطله" الفردية/الجماعية، وهو السائر في منعرج ضيق بين طريقين شاسعين ودالين، وهو ما يمكن أن يستشف حتى في ملصق الفيلم.

وأنت تتابع نبش المخرج العائد إلى اللغة الطفولية لبطل فيلمه، تمسك على كون الطفل/الغلام، ينهض ومنذ البدء على هبة صوتية غير عادية، صوت طروب، سيتمرن داخل فضاءات مدرسية، لكي "يتمرغ" في الدنيويات حسب قول غلام (المغني)، لكنه "التمرغ" الذي سينفلت منه، حينما سيجد ضالته في شيخه.

سيتحول هنا إلى منشد جماعته، لكنه سيدرك في المرحلة الأخيرة، وهو يتجول بين العديد من الدول، قيمة الفن كرسالة ونبل وجمال، ولا سيما تركيا التي حضرت فيها أصوات الحضرة الصوفية، وتحولت هنا عبر آذاننا عاملا قويا ومولدا لإيقاعات صوفية قوية ودالة.

أسماء فنية شامخة استعان بها الفيلم لتبيان قيمة رشيد غلام الفنية: الموسيقي نصير شمة، والموسيقي ياسر بوسلام، والمغني وديع الصافي ونعمان لحلو

طفولة الفنان، هي من يصنعه ويجعله حاملا لطفولته حتى وهو يقترب من أي من مراحل العمر، بما فيها مرحلة اشتعال الرأس شيبا.

صور بلغة الأبيض والأسود في بدايات حياة هذا الفنان المغربي، مصحوبة بشهادات بعض رفاق دربه، جعلتنا نطل عبرها على زمكان مغربيين عريقين. هنا من الممكن القول، أيضا، إن المخرج يمتلك حاسة فنية وجمالية، حاول مرات عديدة أن يجعلها متجلية في فيلمه كصور تسجيلية دالة ومؤكدة على كون رشيد غلام آتيا من أزقة ودروب وفضاءات مغربية لها بعدها الجغرافي الثقافي الشعبي، وصل عمقها الإخراجي حينما "تلصص" عليها فنيا من فوق السطوح، كجغرافيا تسمح بالرغبة في البوح، الرغبة في العودة والالتصاق بالجذور.. فالطيور مهما هاجرت، ومهما تخاصمت مع ذواتها، لا بد من أن تعود إلى أوكارها، لأنها سليلة تربتها.

حلاوة نعمة الاعتراف
أسماء فنية شامخة استعان بها الفيلم لتبيان قيمة الرجل الفنية، الموسيقي نصير شمة، والموسيقي ياسر بوسلام، والمغني وديع الصافي.. وغيرهم. لكن في اعتقادي المتواضع كان الفنان المغربي نعمان لحلو حاضرا بقوة في تفكيكه لصوت رشيد غلام، فهذا الفنان الذي لا يلهث وراء المسخ "الفني" ويتميز بكونه صاحب مشروع فني وموسيقي وثقافي دال، استطاع أن يضفي على الفيلم بصمة اعتراف جميلة ودالة. نعمان لحلو، كان ناعما وحلوا في استنباط خصوصيات رشيد غلام الصوتية.

جغرافيات ثقافية وفنية عديدة حضرت في الفيلم، باعتبارها كانت محتضنة لهذا الفنان، مثل مصر وتركيا وإيطاليا والأردن.. إلخ، من خلالها استطعنا الإمساك بخصوبة هذه الأمكنة ووظيفتها الوجدانية في تعميق رؤية العالم لدى هذا الفنان، ووضع تجربته في محك "المقارنات" والرغبة في خلق تناص فني وموسيقي.

السفر في السوسيولوجيا والسيكولوجيا يقوي شخصية المسافر ويجعله يرغب في تبادل الأحاسيس والوجدان، لكن روح الوطن ورائحة الأشياء الصغيرة تبقى "مطاردة" للفنان، وتمارس عليه "سلطتها" من أجل العودة ومعانقة دروب الصبا والهوى.

تفاصيل المحكي الشعبي المغربي شممنا رائحتها على امتداد الفيلم، حيث العودة بين الفينة والأخرى، بين الفضاءات الجغرافية التي عاش فيها هذا الفنان، والأمكنة المغربية بحركيتها ومساجدها وشكل أهلها وأطفالها ولعبهم. بهذه الصور استطعنا أن نتموقع في ثنائية الزمن والمكان المغربيين.
رشيد غلام في إيطاليا ضمن سفراته لتعميق رؤيته الغنائية في الثقافات المختلفة (الجزيرة)

هي إذن تمثلات ذهنية ونفسية واجتماعية من الصعب محوها من ذاكرة الفنان مهما بلغ من درجات ما، خارج أرض وطنه. كم كان المخرج منصفا وذكيا في تقديم هذه التمثلات برؤية فنية جميلة وممتعة، وقد وصلت رسالتها العميقة ولا سيما حينما وظف نتفا موسيقية هي الأخرى مولدة لجزء مهم من هذه الدلالات الوجدانية الإنسانية.

فيلم "رشيد غلام" الذي أنتجته قناة الجزيرة التسجيلية (2015) في اعتقادي المتواضع هو قيمة مضافة لمشهدنا التسجيلي العربي/الإنساني، حيث نجح في التعريف بهذا الفنان المغربي، دون جعل الفعل السياسوي المتبدل هو الخيط الرابط لأي حكي، بل الاستمتاع بمتعة الطرب، وجعل الفن/الثقافة في بعدها المولد لقيم الإنسانية والجمال، ضد القبح، هو عمق رسالة هذا الفيلم.

* ناقد مغربي

المصدر : الجزيرة