سهى صباغ*

دوبوفيك، آيسلاندا. الطقس بارد والابنة تتحدث مع والدها هاتفيا، على رصيف أحد المرافئ، وذلك بعد رحيل والدتها عن الحياة، كما يبدو من الحديث.

ستعود إلى بلدها العراق، وتبحث عن أسطوانة غنتها أمها -نجيبة صابر- مع فرقة أشقائها الثلاثة الإخوة تركمان، وأخوال ابنتها مخرجة الفيلم بارين جدو.

تصل الابنة "جدو" إلى مطار أربيل في كردستان العراق، لتبدأ رحلة البحث عن أسطوانة سجلها الإخوة تركمان، في إذاعة بغداد 1959 إذ كان فيها قسم إذاعي اسمه قسم التركمان.

هي رحلة البحث عن الأسطوانة وتاريخ العائلة والذكريات. لم البحث بعد وفاة الأم؟ أهو إعادتها من جديد، وشم رائحتها من خلال الأمكنة. هكذا هو الإنسان، لا يَنكفئ عن البحث في تاريخه، إن كان القريب منه أم البعيد.

أحيانا تقصد الأماكن الأثرية، وعيونك تحاول فك رموز الزمن وقصصه وملاحمه، لتصل إلى آثار جدك، جدتك، والدك، والدتك. تشم رائحة الأمكنة، علها تهديك إلى شيء، إلى كنز ما، عاطفي أحيانا وليس بالضرورة ماديا.

حفل الفيلم بصور كثيرة من ذاكرة عائلة عراقية تركمانية عشقت الموسيقى والغناء (الجزيرة)

"الأسطوانة المكسورة" هل هي نفسها ذلك الكنز الذي تبحث عنه الابنة بارين جدو وهي مخرجة الفيلم أيضا. هل هي زهرة الخلود التي بحث عنها غلغامش في ملحمة بلادها؟ الفكرة مُغرية، فهل ستكون الرائحة ولغة الأشياء وهمساتها، باقية على ما هي؟

آمنت بارين بما قاله والدها بأن إمكانية العثور على الأسطوانة في كركوك أكثر بكثير من بغداد التي دمرتها الحرب.

تجول في الأماكن وتدخل متاجر لبيع الأسطوانات الموسيقية. تسأل عن أسطوانة تحمل الأغنية نفسها "عصفورتنا ذهبت بعيدا، عيوننا تُحَدق في الطريق، بالحب تعمّر بيتها، بالحب تمكث هناك..".

نتعرف من خلال جولاتها إلى كركوك منبع عائلة صابر، التي تنتمي إليها الابنة الزائرة، ومعظم الوقت يدور الحوار باللغة التركمانية.

مخرجة الفيلم (يسار) تبحث عن المدرسة التي تعلمت فيها أمها بكركوك (الجزيرة)

تتجول في أماكن عديدة من كركوك، الأمكنة يشبه بعضها بعضا. لون ترابي واحد يجمعها. نقلتنا من الأبيض الثلجي الناعم وأحيانا الجاف الذي عرفته في تورنتو بكندا أو في آيسلاندا، إلى المناخ الترابي القاحل.

 نقلة لا بأس بها بتضاد الألوان. ثلج وهدوء وعزلة، إلى مكان مزدحم بالبشر والأبنية الترابية والشمس. أبنية غير منظمة، ومنها ما هو مهدم، ما زال يحمل آثار الحروب المتوالية على وداخل العراق.

رغم ازدحام المدينة، يشعر المتفرج بالعزلة أيضا. يتم تصوير كركوك من عل في لقطات عريضة. بعض التفاصيل من أحد الأسواق، عرض لرؤوس من "المانوكانات" اللاتي يضعن الحجاب، وثياب وحاجات أخرى منتشرة عشوائيا، تدل على هوية المكان وحاله.

يُحكى عن انفجارات، لم نشاهد تفاصيلها. ربما كان هذا جيدا، فقد سئم المشاهد من تكرارها في وسائل الإعلام ونشرات الأخبار.

هناك خيار آخر، لجأت إليه المخرجة، لإظهار حال البلاد والمواطن: المشاهد الداخلية وبيت العمة التي تحكي عما يعانون منه في بعض تفاصيل الحياة اليومية، وتترجمها الصورة.

انقطاع في التيار الكهربائي، مدفأة قديمة، تستعملها العمة لصنع الشاي، بيت قديم لا يتجدد يُشعركَ بالسأم والإحباط، كحال أهله. تفاصيل مرت بهدوء، كافية إلى حد ما، لتضعنا بالأجواء التي يعيشها المواطن العراقي، لكنها خالية من الروح، من الانفعال العاطفي.

كأن المخرجة المُدرِكة لشخصية المواطن العراقي، المغدقة بالعاطفة، قد تجنبت إظهارها ولو بالحد المطلوب، لتحريك الجمود في التعبير.

اعتمدت المخرجة على إيصال بعض المشاهد، بفواصل لمطربين قديمين. وفقت أحيانا بتحريك الحنين إلى الماضي، لكنها لم تنجح في جعل تلك التسجيلات نسيجا أساسيا للفيلم.

الأشخاص يتحدثون بشكل بارد، إلى حد الملل. شاب صاحب متجر، يمتلك الكثير من الأسطوانات الفولكلورية القديمة، يبحث عن الأسطوانة التي تحتوي على أغنية الأم، ببطء ولامبالاة، وهو غير متحمس، لجهله بها. هل السبب هو، طريقة إدارة الحوار؟
 
نجيبة صابر قبل رحيلها في تورنتو-كندا 2008 (الجزيرة)
كانت لقطات الفيديو العائلية القديمة أليفة وعاطفية، لكن السؤال الذي لا بد منه ما الذي جعل تصوير الفيلم السينمائي في كثير من الأحيان بنفس الضعف التقني الذي نتسامح معه عادة في فيديوهاتنا المنزلية؟

لم يعد البحث عن تلك الأسطوانة أساسيا، فقد وجدتها الابنة، في منتصف الفيلم. جمعت أجزاءها المكسرة، بعدما أخذتها من العمة التي وجدتها في مكان ما بين الأغراض. لم نشعر بأنها تفاجأت بها. كأنها كانت تعرف مُسبقا بأنها ستستلمها في هذا الجزء من الفيلم.

صور من الماضي: الأم، الأب، بعض القُصاصات من كتابات وربما رسائل. تفاصيل جميلة وحميمة، على قلتها، تمر حين يتحدث الأب ولاحقا صديقة الأم عن شغفها بالموسيقى.

في فيلم "الأسطوانة المكسورة" لا شك بأن أفضل المشاهد كان لصاحبة مطبعة قديمة، تحكي عما آلت إليه تلك المطبعة. تعرضت للنهب ورُمِيَت مُعداتها في المياه، زمن الغزو الأميركي وانفلات المليشيات واللصوص. تشعر بأصالة تلك المرأة المُثقفة، التي تتحدث بحرقة وكبرياء وأسف.

قصدت الابنة مدرسة والدتها برفقة صديقتها نيلوفر. وجدَتها وقد تحولت لممتلكات خاصة. غير مسموح أن تدخلها. يعترضها بعض الأشخاص الذين يبدون كرجال مليشيا. تَحَوَلت كركوك من  مدينة تعدد وقبول بالاختلاف إلى مدينة غريبة. تعود السيدتان من حيث أتيتا.

أما شوارع بغداد القاحلة من الحياة، فلم نلمح فيها مَعْلَما فنيا واحدا. وهي المعروفة على الأقل، بجدارية الحرية التي تتوسط ساحتها للفنان الكبير "سليم جواد"، ذات الواحد والعشرين مترا، لم نشاهد منها مترا واحدا. بغداد الغنية بالحضارة والمنحوتات والتاريخ، لم يلفحنا هواها، في فيلم "الأسطوانة المكسورة".

شابة تتعلم الموسيقى في معهد ببغداد.. محاولة لمقاومة الواقع القاسي بالفن (الجزيرة)
نعود إلى مشهد الأم في بلاد المهجر، تمشي في حديقة المنزل، وتقطف الثِمار، جسد تعب غريب عن تلك الأرض يختصر ألم من سُلِخ من وطنه، بشكل قسري.

رأت الأم في المنام حلما وقد ارتدت فستانا أحمر، والأحمر أصبح مكروها بكل أشكاله في فترة حكم البعث، كونه يرمز إلى الشيوعية، لكنه أنعش مخيلتنا التي خيم عليها اللون الرتيب طِوال الفيلم.

من بلاد النخل، مشهد لقطف البلح، كانت لقطة فيها بعض الحياة، ثم يمر شباب يتعلمون الموسيقى ليقولوا إن الفنون هي ما يحمي روحنا من الهزيمة.

* كاتبة لبنانية

المصدر : الجزيرة