أنمار حجازي*

لا يمكن أن تُذكر كلمة إيران إلا وتصطحب معها كل الصراعات في الشرق الأوسط، ولا يمكن أن تُذكر كلمة إيران دون التحدث عن الاتفاق النووي واختلاف الآراء حوله.

لكن آزاده موسوي وكوروش كفائي قررا أن تكون كلمة إيران مصحوبة بفكرة أخرى، بفكرة تتحدث عن إيران، عن الإيرانيين وعن طهران.

ليس من الغريب أن يختار هذان المخرجان موضوعا لفيلمهما التسجيلي "من إيران.. الانفصال" كظاهرة إيرانية.

إنه لمن النادر أن يبنى فيلم على حكاية فيلم آخر. التسجيلي "من إيران.. انفصال" يحكي عن فيلم "انفصال" الروائي، الذي أضاء طهران على مدى عدة ليال ونال تقريبا كل الجوائز المرموقة في العالم ببن عامي ٢٠١١ و٢٠١٢، وبينها الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية، والدب الذهبي في مهرجان برلين، كما حصل على نجاح باهر على مستوى العروض في الصالات على مستوى العالم.

فيلم "انفصال" فاز بعشرات الجوائز بينها الأوسكار والدب الذهبي (الجزيرة)

فيلم "من إيران.. انفصال" المُنتج عام ٢٠١٣، وضعني شخصيا في حيرة عندما رأيت العنوان، تساءلت فعلا: ما الفكرة؟ عنوان غامض.

هل أراد المخرجان أن يؤكدا مرة جديدة على أهمية فيلم "الانفصال" كعمل إيراني؟ أم هل يتحدث الفيلم عن انفصال في الآراء في المجتمع الإيراني بين مؤيد ومعارض لفيلم "الانفصال"؟

أم هل يريدان أن يفصل الناس في أنحاء العالم بين ما يُشاع عن إيران وعن المجتمع الإيراني من سلبية، وبين ما يعيشه الإيرانيون وما يريدونه حقيقة؟ هل ابتغى التسجيلي أن يضيف سجالا فوق السجال الذي فتحه الفيلم الروائي؟

يلخص المخرجان حالة فيلم "الانفصال" في إيران وتأثيره اجتماعيا على المجتمع الإيراني، فنرى أولا انتظار الناس لحضور الفيلم أمام الصالات أو أحد المهرجانات الإيرانية، هناك حالة هستيرية بسبب أعداد الواقفين أمام صالة السينما بانتظار الفيلم.

جميع الحاضرين يودّون مشاهدة فيلم أصغر فرهادي، شهادات سريعة للمصطفّين تُظهر تعلق المجتمع الإيراني بحضور السينما المحلية في الصالات وتلهفه لحضور فيلم "الانفصال".

أصغر فرهادي مع جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي عام 2012(الجزيرة)
ثم ينتقل الفيلم للمواجهة في المجتمع الإيراني بين مُحبّي فيلم "الانفصال" ومنتقديه، على لسان النقاد والمشاهدين ووسائل الإعلام الإيرانية وعبر لقاءات أنجزها المخرجان مع خبراء أو مع فريق فيلم "الانفصال".

مشاهد رائعة تكشف الستار عن طبيعة المجتمع الإيراني المُسالمة والمُفكرة وقدرة أي شخص في الشارع على التعبير وعلى شرح رأيه بكل عفوية وتحليلية كافية.

صوت آزاده موسوي وكوروش كفائي يفتتح لكل مقطع أو فكرة جديدة في الفيلم، كما أنه يُظهر أهمية "الانفصال" بالنسبة للمخرجين وشعورهما العالي بالفخر وبالنصر للسينما الإيرانية، فهما يظهران كل انتقاد للفيلم بطريقة كوميدية أو بطريقة ساخرة، خاصة عندما يأتي الانتقاد من أحد العاملين في الإدارات الفنية بإيران.

كما يظهر ردهما الشخصي بتجل في المشاهد الخلابة حول توزيع جوائز الأوسكار. طهران المضاءة ليلا بكاملها، الجاليات الإيرانية حول العالم وجلوس الجميع -بمن فيهم المخرج والمخرجة- أمام الشاشات منصتين لصوت مادونا وهي تقول إن الأوسكار لأصغر فرهادي.

مشاهد جميلة تعرض بخفة انتقادات للحكومة الإسلامية الإيرانية وتحمل داخلها معاني سياسية كثيرة يود المخرجان معالجتها، كالوضع السياسي بين إيران وعدوتيها الشهيرتين الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما يركز المخرجان على إظهار الروح القومية الفارسية لدى الإيرانيين وافتخارهما بهويتهما وبتراثهما قبل تاريخهما الإسلامي أو السياسي المعاصر. ويُظهران أيضا حالة التعاضد بين الإيرانيين في المغترب وفي الداخل حول نصر إيراني. إذًا يبدو أن المخرجين يتوجهان بفيلمهما إلى جمهور غير إيراني، حيث تعمل طبقة صوتيهما وشرحهما لكل نقطة على تأكيد فكرة أن الفيلم مُعد لجمهور غير إيراني. كما لم يترددا في استخدام أساليب توضيحية مبتكرة اعتمادا على الرسوم المتحركة.
نقاشات متواصلة أثارها الفيلم في المجتمع حول المرأة والمؤسسة الأسرية (الجزيرة)

يشعر المشاهد وكأنه يتابع بطلا من أبطال كأس العالم لكرة القدم أو نجما رياضيا عند انتقال الفيلم إلى وصول أصغر فرهادي طهران مصطحبا بيده الأوسكار، فهناك أعداد كبيرة من الجمهور بانتظاره على عتبة المطار.

ومع منع قوات الأمن له من البقاء لرؤية الجمهور ثم عودته إلى المطار للقائهم من جديد، يمكننا أن نُحس بحالة التوتر القائمة بين السلطات وبين أصغر فرهادي.

إنه توتر قائم على شعبية فرهادي في إيران وغيره من الفنانين الإيرانيين الذين يعملون بجهد لتمكين البصمة الإيرانية فنيا على مستوى العالم. فهناك طرح دائم لأفكار جديدة، ولمحاولات كثيرة على مستوى الأعمال الفنية، ولدراسات متعمقة في الفنون وعلاقاتها مع الشؤون الأخرى في الحياة. كما يحاولون التأثير على المجتمع في إيران وذلك بطرح أفكار تثير النقاشات بين الناس وبين وسائل الإعلام والاختصاصين، عسى أن تتغير أحوال البلاد وتصبو إلى الدولة التي يريدها الإيرانيون.

دروس تعلمها الفنانون أو السينمائيون الإيرانيون من الرواد كتشارلي شابلن الخالد الذي أظهر أهمية الفن كسلاح مقاوم بفيلمه الأسطوري "الدكتاتور"، أو عبر قراءات لأحد أكبر المنظّرين السينمائيين الفرنسيين أندريه بازان عندما أكد في كتابه "ما هي السينما؟" على أهمية وجود معنى لكل فكرة مُقترحة في فيلم، وعلى أن تكوينه يحدث من اجتماع الشروط الفيلمية كاملة.

بالطبع تجتمع الشروط الفيلمية كاملة في فيلم "من إيران.. انفصال". المخرجان حاولا صُنع وثيقة عن إنجاز إيراني بعيد عن أي رأي حكومي، إنجاز إيراني على مستوى الشارع، وعلى مستوى الجمهور.
الجماهير في المطار تنتظر وصول المخرج وهي تردد "نحبك يا فرهادي" (الجزيرة)

يود كفائي وموسوي التأكيد أن إيران هي هؤلاء الأشخاص وهؤلاء المبدعون. ففي نهاية الفيلم يعرض المخرجان صورا لمتحف السينما في إيران مستعرضين كلّ الإنجازات الفارسية على المستوى السينمائي.. تتغير أصواتهما وتصبح أكثر حرارة على الطريقة الإيرانية للإعلان مرة جديدة عن افتخارهما وعن مواصلتهما العمل لتحقيق إنجازات جديدة على المستوى الفني والاجتماعي في إيران.
____________________
* سينمائية من سوريا مقيمة في فرنسا

المصدر : الجزيرة