عيسى الشيخ حسن*

في مشهد قصير وآسر، ومن مفتتح ديني يحاول المخرج التأثير في المتلقي، بمشهدية معبرة تصور كاهنا يتكئ على صليب، فوق رابية مشرفة على البحر، وفي الأفق سفينة يهدهدها الموج قبيل الغروب، وبين يديه الكتاب المقدس مفتوحا على نص يستل منه عنوان الفيلم الروسي التسجيلي "أبو اليتامى" بالحضور المعرفي الروحي للعنوان في الوجدان الأوروبي، وفي استعادة لمعاني التدين في حياة الروس بعد انهيار الشيوعية وعودة الكنيسة.

يأتي حضور الفيلم من قوة التفاؤل التي يطرحها، والابتعاد عن أسباب هذه الظاهرة المؤسية، كما فعلت الدراما -مؤخرا (الغابة- الفيلم المصري المرعب) و "علي زاوا" الفيلم المغربي الجريء- بل أضاء الفيلم شخصية غينادي موخنينكو الذي رمى عباءة الكهنوت وقام بدور الأب والمدرب والقائد الكشفي. لقد خرج الفيلم بالكاميرا من الأنفاق والأقبية والغرف إلى طبيعة خضراء، وعلى الدروب والأرياف التي عرفناها في الأدب الروسي (بطل من هذا الزمان -ابنة الضابط- الموسيقي الأعمى).

مليون طفل هم أطفال الشوارع في روسيا خلال السنوات العشر الأخيرة (الجزيرة)

لا يحدد الفيلم مكان الأحداث، لكنه يشير إلى قضية حيوية طالما تكررت في تاريخ روسيا المعاصر، وهي قضية أطفال الشوارع، الذين شكلوا ظاهرة مقلقة، بداية تشكل النظام الشيوعي (سبعة ملايين طفل) وبعد سقوطه كذلك، إثر التحول العاصف الذي انهارت فيها البنية التحتية، ووضعت المجتمع الروسي أمام اختبار أخلاقي حقيقي ما زال يجيب عنه، إذ وجد نفسه فجأة في خانة الصفر المعنوي، وبات كل شيء معروضا للبيع أمام سطوة السوق بكل مزاياه وتبعاته. فقد بلغ عدد أطفال الشوارع في روسيا في السنوات العشر الأخيرة قرابة المليون طفل، تداعت كثير من دول الغرب (أعداء الأمس) إلى تبنيهم. الولايات المتحدة وحدها تبنت ستين ألف طفل.

البيت الجديد
يشير الفيلم إلى الظاهرة دون إدانة أحد، ودون توسل لغة تقريرية أو وعظية، ولكنه يلفت الانتباه إلى قوة الخير في الشخصية الروسية التي عشناها في روايات القرن التاسع عشر (المراهق لديستوفسكي) عبر شخصية غينادي الكاهن الذي يسخر كل قدراته لالتقاط أطفال الشوارع وضمهم إلى مملكته الجديدة، وهم دون مأوى معرضون للجوع والإدمان والموت.

عائلة غينادي تضم ثلاثين طفلا، يعيشون الدفء العائلي ويستعيدون الأمل بالحياة بحياة أفضل، ثلاثون طفلا بثلاثين حكاية، يختار المخرج بعضها، في فيلمه القصير نسبةً إلى أهمية الموضوع (26 دقيقة). يفصل المخرج بين مسارين زمنيين في الفيلم، مسار الحاضر بألوان فاقعة ومشاهد متناثرة بين شاطئ البحر، والحدائق والبيت، ومسار الماضي ويختار له الأسود والأبيض لتمييزه، بمقاطع فيديو قصيرة، وبعض الصور.

وفي ظل غياب كامل للدولة إزاء هذه الظاهرة يبدأ الرجل تبني الأولاد، ويحصل على قرض فائدة مرتفعة لينفق عليهم، ومع تسلل اليأس، يأتي الخلاص.

الكاهن غينادي تفرغ لمساعدة أطفال الشوارع في ظل غياب الدولة (الجزيرة)

بسعادة وإشراق يتحدث الكاهن عن رؤيا رآها تطلب منه تبني الأولاد، وعدم التفكير في المال، الذي يأتيه بعد ثلاثة أيام من الرؤيا "ساعدني أحدهم للوصول إلى أنجح رجل أعمال في أوكرانيا. أخبرته عن الأطفال وكيف يقيمون في أقبية المدينة، وكيف أتوا للعيش في منزلي المتهالك. ابتسم الرجل وصافحني، ثم قال لي: هيا أيها الكاهن قم بعمل الخير، وبعد أربعة أشهر بنينا منزلا بين الأنقاض" قبل أن تستكمل الدور إحدى مؤسسات رعاية الأطفال في البلاد.

أطفال ويافعون بأعمار مختلفة في صالة واسعة، يتناولون طعاما بسيطا قوامه الحساء فقط، في أثنائه يضفي الكاهن المَرِح على المشهد شيئا من الدعابة، وكأنهم في مخيم كشافة. فثمة نشاط وبرامج ترفيه، ونظافة، وتعاون، بين أفراد عائلة كبيرة، يشعرون بحنان الأب الكاهن، الحنان ذاته الذي حول جان فالجان (بطل بؤساء هيغو) إلى رجلٍ طيب. وثمة زوجة الكاهن التي تشاركه المشروع بكل رضا.

تحت الأنقاض
تعود الكاميرا إلى الوراء لترصد واقعا عانته روسيا وما زالت تعانيه، في مشهد مؤثر لبضعة أطفال صغار قذرين يقيمون في مجارير مياه، يتعاطون المخدرات، ويحصلون على قوت يومهم بطرق غير مشروعة، تماما كأطفال العشوائيات في "حين ميسرة" مثلا.

أطفال معرضون لأخطار تودي جميعها إلى المهالك، فالطفل واتور المدمن منذ كان في الثامنة، مات بين يدي الكاهن وهو في الرابعة عشرة وقد بدا الشحوب على وجهه، ولم يجد الأب إلا البكاء دليلا على عجز اجتماعي أمام ظاهرة تستشري، بسبب البؤس الاجتماعي والاقتصادي الذي حول شرائح عديدة من فقراء يعيشون على الراتب -نقرأ عنهم في "نقود لماريا" لفالنتين راسبوتين"- إلى معدَمين حقيقيين.

الأطفال بمساعدة غينادي حطموا رقما قياسيا في رياضة بحرية (الجزيرة)

مع وصول عدد الأطفال إلى ثلاثين، يتبنى موخنينكو برنامجا رياضيا، يتضمن بعض الألعاب الرياضية كالبحرية، وفيها حطم الأولاد رقما قياسيا في مجموعة غينيس لأكبر عدد من الرياضيين في سفينة واحدة، والملاكمة، الرياضة الشعبية في روسيا، ولكن الرياضة الأهم هي ركوب الدراجات الهوائية، والتطواف في ربوع روسيا وأوكرانيا، وقطع مسافة 10000 كم، ترافقهم عدسة المخرج، لتكون الإطار العام لمعظم وقت الفيلم الذي يصور مشاهد التطواف في ظروف مناخية وبيئية مختلفة ذات أثر بصري جمالي يشحن المتلقي بحالة فرح وإيجابية، لكن الحديث لا ينقطع عن الفريق العائلة، وهي تنمو قليلا في أثناء الرحلة، حين يجدون في القرى التي يمرون بها أطفالا يتامى أو ممن تخلى عنهم آباؤهم.

نتعرف في رحلة الفريق إلى قصص مؤثرة عن مايك المدمن الذي تحول إلى عازف غيتار موهوب، بعدما ظل منذ السادسة في قبو يسكنه أطفال مشردون، إلى أن التحق بمؤسسة رعاية وهو في الثانية عشرة، وعن ولد آخر يحب الملاكمة، وثالث هرب من دار الأيتام إلى الشارع، لضعف الرعاية، ونيكولاي الطفل الحادي والثلاثين الذي يتهيب الخروج من عزلته إلى الطبيعة، لكنه بات اجتماعيا مرحا.

يلفت فيلم "أبو اليتامى" الانتباه لقوة الخير في الشخصية الروسية التي عشناها في روايات القرن التاسع عشر (المراهق لديستوفسكي) عبر شخصية غينادي الكاهن الذي يسخر كل قدراته، لالتقاط أطفال الشوارع

عرف نيكولاي التشرد منذ كان عمره سنتين ونصفا، وجدوه جانب حاوية القمامة مع القطط والكلاب. يعتاش من السرقة ومن الطعام المتروك في حاويات القمامة، ويتألم لذهاب أترابه الصغار إلى المدارس رفقة أهلهم. تعرض لمحاكمة بتهمة التشرد، وخيره أبوه بين الذهاب إلى دار الأيتام، والمجيء إلى البيت، لكن الكاهن تبناه. إن كل ما يتمناه نيكولاي أن يكون ممثلا كوميديا يضحك الناس ليشجعوه ويربتوا على ظهره! لأن أمه التي ماتت بسبب الإدمان كانت مشغولة عن هذا. بوغدان الذي يقضي الشتاء القارس في محطات القطار، جانب أنابيب التدفئة المركزية، لأنه يخاف عقاب والده وهو يسرق الطعام لإخوته.

ميلودراما تسجيلية
دانيلو الطفل الثاني والثلاثون فقد أمه، وكانت الأسرة البائسة ستسلمه إلى دار الأيتام، ولكن أخاه الشاب هنا أراد أن يربيه كي لا يقع في الأخطاء التي تعرض لها، وتكتمل الدراما بالعثور على أختهما الكبرى، التي تبنتها أسرة إيطالية في ميلانو، وقد تعرف إليها بعدما أصبحا صديقين في موقع تواصل روسيا. يتكلم الشاب بعينين دامعتين، تعاطفت معهما، فقد صارت إيطاليا تعني له شيئا، وفي التطواف وبمساعدة الكاهن حصل على دراجة إيطالية شارك صاحبها في سباق فرنسا للدراجات.

وفي أحاديث الرحلة، يتكلم الكاهن عن محاولاته إقناع الأولاد في تبنيهم، وقراره في مخاطبة المجتمع، في تنظيم مظاهرات تندد باستغلال الأطفال من قبل بائعي المخدرات، مما يعرضه للتهديد بالقتل، ويتكلم عن أبويه المدمنين في معرض الحديث عما يتركه الآباء المدمنون في أولادهم، فالكاهن يتحدى هذه الظروف بسكب سطل ماء بارد على جسده العاري، الظاهرة الظريفة التي انتشرت مؤقتا، ويشاركه أبناء المدمنين التحدي ذاته.

غينادي وزوجته يستضيفان عشرات الأطفال المشردين في منزلهما (الجزيرة)

ساهمت الكاميرا في بعض المشاهد في إيصال رسالة جمالية برمزية بسيطة، منذ مشهد البداية بالغ الجمال، ومشهد صعود الجبال أول الرحلة، ومشهد الهبوط قبل النهاية تعبيرا عن نهاية سعيدة. فالرحلة أمل، والصعود تحدّ، ومشروع التبني يمضي إلى الأمام، وصوت الأب غينادي يصل إلى المجتمع. إنه يريد مجتمعا متعافيا دون أيتام. وعند نهاية السباق الذي قطع فيه المشردون آلاف الأميال في روسيا وأوكرانيا وسيبيريا، كان ثمة الكثير من الآباء الجدد الذين رافقوا أبناءهم، وتوجوا فوزهم كما يتوج الرياضيون، فقد نجحوا في التحدي.

يعيد فيلم "أبو اليتامى" الاعتبار لقوة الخير بالمجتمع الروسي الذي خربته مافيات الحرب والاتجار بالبشر ، ويدين في الوقت نفسه مؤسسات الدولة العاجزة عن احتضان أطفال الشوارع، مثلما هو صرخة عالمية تضاف إلى جهود المدافعين عن الطفولة المغدورة بين الحروب الأهلية، والحال الرثة للمجتمعات التي طحنتها تحولات العولمة.

* كاتب من سوريا مقيم في قطر

المصدر : الجزيرة