قيس الزبيدي*

بغلاف بالغ السوء جاء كتاب "ملامح الأفلام التسجيلية الفلسطينية" دراسة تحليلية للمؤلف علاء الدين عياش عن دار العين للنشر/القاهرة عام 2011، كأن المثل الذي يقول "المكتوب يقرأ من عنوانه"، لا يجد غضاضة في القول مجددا "الكتاب يقرأ من غلافه".

لكن -بطبيعة الحال- إن الكتاب ينبغي أن يقرأ من الغلاف إلى الغلاف لمن أراد أن يقول شيئا في الأمر الذي يطرحه الكاتب. وقد كان.

يتألف الكتاب من فصول أربعة عدد صفحاتها 252 وخاتمة الدراسة وعدد صفحاتها ست صفحات ومصادر الدراسة وعددها حوالي عشرين صفحة، وملاحق للدراسة وعددها 77 صفحة، تتضمن ثمانية عشر سؤالا موجهة إلى من يشكرهم المؤلف على جهودهم في خدمة الإعلام الفلسطيني عامة والسينما الفلسطينية خاصة ويطلب منهم الإجابة عن 18 سؤالا ليستخدمها في استكمال رسالة الماجستير التي يعدها بعنوان كما يبدو موضوع الكتاب نفسه أي: معالجة الأفلام التسجيلية الفلسطينية للقضية الفلسطينية: "دراسة تحليلية".

سعى الباحث للاطلاع على الدراسات والأبحاث التي تناولت الفيلم التسجيلي -بقدر استطاعته كما يؤكد- لكنه لم يجد دراسات تتعلق بموضوع الدراسة بشكل مباشر، إنما وجد بعضا منها مرتبطا قليلا بالموضوع ولم تكن شديدة الصلة بدراسته.

لا دراسات للسينما الفلسطينية
 وفي التعليق على الدراسات السابقة التي حصل عليها يؤكد مرة ثانية أنه لم يعثر سوى على قليل منها تناول الأفلام التسجيلية بشكل عام. وفي نفس الوقت غابت الدراسات حول الفيلم الفلسطيني ومعالجته للقضية الفلسطينية، إضافة إلى نفيه أن تكون في العربية دراسات حول الاتصال أو حول الجمهور أو حول تناول القضية الفلسطينية في الإذاعة والتلفزيون.

بحث الكتاب في دور السينما التسجيلية في النهضة السعودية -على سبيل المثال لا الحصر- فما علاقة هذا بالسينما التسجيلية الفلسطينية؟

وتم -بناء على ذلك- تقسيم الدراسات السابقة في الفصل الأول إلى محورين، أولهما: محور الدراسات المتعلقة بالسينما وتبويبها ليس من بينها سوى دراستين ذات علاقة بالفيلم الفلسطيني، أما بقية الدراسات فهي عن السينما التسجيلية في مصر وعددها سبع، ودراسات أخرى عامة عددها ثلاث ودراسة واحدة موضوعها الفيلم التسجيلي ودوره الإعلامي في إبراز معالم النهضة الحضارية في المملكة العربية السعودية. وثانيهما: محور الدراسات المتعلقة بوسائل الإعلام الأخرى، وعددها خمس مخصصة للتلفزيون و أربع للصحافة.

استفاد المؤلف -كما يقول- من دراسات المحورين في تحديد المشكلة البحثية ومن نتائج هذه الدراسات وتوظيفها لخدمة دراسته.

الإجراءات المنهجية
يتعرض المؤلف بداية لمشكلة الإجراءات المنهجية التي واجهته في دراسته والتي يعتبرها من أهم خطوات البحث العلمي لأنها تؤثر كثيرا في جمع الخطوات البحثية التالية. ويبدو لنا أن المؤلف يغيب عن باله أن أي دراسة يجب أن تخضع إلى منهجية واضحة دونها، رغم الجهد الكبير الذي بذله، لا تكون سوى جهود مضنية في تجميع معلومات كثيرة خاصة مهمة وأخرى كثيرة غير مهمة لموضوع الكتاب الأساس.

فما علاقة دور السينما التسجيلية في النهضة السعودية -على سبيل المثال لا الحصر- بالسينما التسجيلية الفلسطينية؟

أما الفصل الثاني فيذكر المؤلف أن أولى الصعوبات التي واجهتها سينما الثورة الفلسطينية نقص الكوادر الفنية، وثانيها مدى حرية المخرج في تناول موضوعه، لأن المنظمة أخضعت المخرجين لإطار أفكارها ومواقفها وسياساتها وتحولاتها حتى وإن كانت عجيبة وغريبة، وإلا لن يكون أي تمويل، مما جعل الكثير من الأفلام ظلا وصدى لمؤسسة الثورة وفصائلها ومنظمة التحرير.

والصحيح أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن طرفا مباشرا في أي صعوبات لا في الإنتاج ولا في إخضاع الأفلام لأي رقابة، لسبب بسيط لأنها لم تكن طرفا في المشهد السينمائي.

إذا ما عدنا فقط إلى عناوين الأفلام يتضح تماما التوافق بين الثورة وصانعي الأفلام: بالروح بالدم، عدوان صهيوني، حرب العرقوب، تل الزعتر، البنادق متحدة، الكلمة البندقية، ولن تسكت البنادق

فقد أسس الإعلام الموحد في حركة فتح مؤسسة السينما الفلسطينية التي كان يترأسها المخرج الراحل مصطفى أبو علي، ومن ثم تأسست أقسام سينما في بقية الفصائل كالجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية وما عدا قسم الفنون الذي أسسه الفنان إسماعيل شموط في العام 1971 والتابع لدائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير، وأخرج فيه أربعة أفلام قصيرة. أما الدائرة نفسها فلم تدخل طرفا في الإنتاج إلا في عام 1977.

 كاميرا 16 وبندقية
كان بوستر مؤسسة السينما الفلسطينية كشعار بصري يتألف من (كاميرا 16 وبندقية) كما أن أغلب الأفلام الفلسطينية التي استحقت عن جدارة تسمية أفلام الثورة الفلسطينية التي أنتجت لحد عام 1982 كانت طبيعتها في الغالب -كما يبين الناقد بشار إبراهيم- تظهر التطابق التام بين الثورة والسينما "ولم يكن يسعى السينمائيون -لا الفلسطينيون ولا العرب- بأي اهتمام بقضايا التعبير الفيلمية، المهم بالنسبة لهم استخدام السينما كوسيلة تعبير أيديولوجية تبجل الثورة وصراعها مع إسرائيل عسكريا".

يقول الكاتب إنه لمن المؤسف أن عموم قادة الثورة بفصائلها المختلفة لم يكونوا ممن يمتلكون وعيا حقيقيا بأهمية السينما وضرورتها ودورها. غير أننا إذا ما عدنا فقط إلى عناوين الأفلام يتضح تماما التوافق بين الثورة وصانعي الأفلام: بالروح بالدم، عدوان صهيوني، حرب العرقوب، تل الزعتر، البنادق متحدة، الكلمة البندقية، ولن تسكت البنادق.

لم يرجع الكاتب -وهو يتحدث عن مراجع كثيرة لجأ إليها- إلى أهم خمسة كتب حول منهج الفيلم الوثائقي/التسجيلي وأساليبه، من تأليف نخبة كبيرة من النقاد والسينمائيين العرب نشرت أولا في مجلة الجزيرة الوثائقية الإلكترونية ومن ثم في كتب ورقية منذ العام 2009 حتى عام 2015 ويضم الكتاب الثالث منها، 25 دراسة مهمة، حول "الفيلم الوثائقيّ العربيّ.. محاولة في النّشأة والبدايات"، و"تجارب وثائقيّة عربيّة"، و"نحو نظريّة نقديّة للفيلم الوثائقي" و"آفاق بحثيّة في الوثائقي والتّوثيق العربي.

المؤلف يغيب عن باله أن أي دراسة يجب أن تخضع الى منهجية واضحة دونها، رغم الجهد الكبير الذي بذله، لا تكون سوى جهود مضنية في تجميع معلومات كثيرة خاصة مهمة وأخرى كثيرة غير مهمة لموضوع الكتاب الاساس

الطريق الواضح
عن أي منهجية معرفية يجري الحديث؟ يفحص الدكتور أحمد عُلبي في كتابه الصادر عن دار الفارابي بيروت/1999 مصطلح المنهج والمنهجية في اللغات الأجنبية ويجد أن تعبيرهما يعني ما عناه المصطلح العربي الذي يعرفها بأنها الطريق الواضح الذي يسلكه المرء في بحثه الأدبي، مسلحا بجملة من المبادئ والتقنيات، لبلوغ الحقيقة المطلوب تبيانها والوصول إليها. وكما جاء في "لسان العرب" فإن النهج هو الطريق المستقيم والبيّن الواضح.

وسبق لديكارت أن بين في "خطاب في المنهج" الطريقة التي يجب على كل إنسان سلوكها، لكي يُحسن قيادة عقله. ويؤسس لمنهج يعوّل علميا على التجربة، إذ لا يكفي "أن يكون الفكر جيدا وإنما المهم أن يطبق تطبيقا حسنا".

ولو أخضع المؤلف كتابه إلى منهج صحيح لكان عليه حينئذ أن يقتصر فيه ربما على الفصل الثاني: السينما التسجيلية الفلسطينية، والفصل الرابع: معالجة الأفلام الفلسطينية، وعلى الملحق الثالث: الأفلام التسجيلية الفلسطينية عينة الدراسة، والملحق الرابع: الأفلام الفلسطينية من عام 1935- 2008.  دون ضرورة نشر الفصل الأول (عدد صفحاته نحو مئة صفحة) ولا الفصل الثالث، (عدد صفحاته نحو ثمانين صفحة) فليس للفصلين علاقة بموضوع الأفلام وعلاقتها بالقضية الفلسطينية.

أحد ملصقات السينما الفلسطينية.. بندقية وكاميرا (الجزيرة)

كذلك ليس للملحق الأول والملحق الثاني وهما في نحو عشر صفحات علاقة بالسينما -موضوع الكتاب- فتصبح عدد صفحاته عندئذ حوالي 170 صفحة بدل 370 لتكون دراسة تحليلية تتناول ملامح الأفلام الفلسطينية وكيف عالجت القضية الفلسطينية.

يبقى علينا أن نعرف إلى أي مدى كانت رسالة الدكتوراه مطابقة أو مختلفة عن متن الكتاب الذي نشره الباحث قبل حوالي أربع سنوات من حصوله على درجة الدكتوراه؟
_______________
* ناقد سينمائي عراقي مقيم في ألمانيا

المصدر : الجزيرة