سهى صباغ*

من منا لم يقرأ في طفولته عن أطفال فقراء، أثروا به بشكل عميق. لقد وقعنا جميعنا على قصص أطفال عتالين وماسحي أحذية وبائعي ورود.

غير أن فيلم "الأطفال الضائعون" التسجيلي سيذهب إلى مجتمع القمامة، المجتمع الذي يعيش دورة الحياة البائسة ما بين حاويات القمامة وبيت الصفيح.

يصلح الفيلم لأن يكون لغة عالمية. هنا في بلغراد عاصمة صربيا رومانيون يعيشون على ما يعثرون عليه في القمامة. وهنا أيضا طفولة مسحوقة. يمكن بكل بساطة أن نشهد هذا في أي مكان. تعددت الأسباب والقمامة واحدة.
 المخرج غاص في عالم هؤلاء الأطفال دون أي تدخل (الجزيرة)
الفيلم (58 دقيقة من إخراج جون سوليفان) يحكي عن الطفلة سيفدي (سبع سنوات) التي هي وأشقاؤها يعيشون في الشارع بحثا عما تحمله القمامة من مصادفات. قد تعثر سيفدي على لعبة، عربة أطفال. شقيقها يعثر على سلسلة للكلب أو طعام ما زال صالحا للأكل.. إلخ.

هذا لا يذكر ولا ينبغي أن يذكر بالمصادفة الفيروزية "أنا من بلد الشبابيك المفتوحة عالصدفة". لأن على سيفدي أن تفتش في القمامة عما يجلب النقود كأسلاك النحاس ولكن في الدرجة الأولى الكرتون الذي يباع ليعاد تصنيعه.

ظاهرة عمالة الأطفال، عالمية. لا تُستَثنى منها البلاد الغنية، والأكثر تقدما وحضارة والتي تبدو فيها المناطق الهامشية وزواريبها ومستنقعات الفقر المدقع فيها "فلكلورا" جانبيا لا تستوي الحضارة من دونه.

يبدأ الفيلم بالتعريف بالمكان الذي تسكنه أفراد عائلة سيفدي. يمشون في منطقة تبدو خالية إلا منهم. أحدهم يجر عربة صغيرة. يتنقلون في مكان واضح أنه قريب من منزلهم. جدران كأنها تسيج المكان، خربشت عليها عبارات. سكة حديد قديمة. يصلون إلى مكبات النفايات بينما يقفز الأطفال ويلعبون كلما لاحت فرصة.

حشرجة وبحث عن أشياء صالحة للبيع. يجمعونها في عربات صغيرة ويأخذونها إلى المنزل لتبدأ عملية الفرز. أولاد ينهمكون بالبحث ، بجدية العامل وحركته الاعتيادية. يعرفون تماما ما عليهم جمعه.
مسموح لسيفدي أن تعمل في القمامة أما التسول فممنوع (الجزيرة)

أشكال الأطفال ولباسهم وشعرهم المبعثر، لا يحتاج إلى شرح حالهم. لم يكن من ضرورة لمعلق. نقطة جيدة لمعد النص، ومريحة للمشاهد، حيث يُسمح له بالغوص في عالم هؤلاء الأطفال، دون أي تدخل.

الصورة تُعبر. وبعض الجمل التي تمر أمام الشاشة من وقت لآخر، وأحاديث الأطفال أنفسهم، كافية لتخبر عن واقع مؤلم كما هو. لا موسيقى تصويرية تشحن العواطف، ولا تعليق. على قدر الصمت، هو الألم، كما هو.

من ميزات الفيلم، الهدوء، بعيدا عن التلوث السمعي، وبعكس الموضوع الضاج الذي يتطرق له، وذلك ما تفتقر له أفلام كثيرة أخرى.

بيع الكرتون أساسي ولكن الأب ينوع في العمل، فيذهب إلى شوارع العاصمة ليمسح السيارات، ومعه سيفدي التي تتسول من المارة.

البعض يتجاوب معها، لكنها تبقى قلقة ومهددة بأن تعتقلها الشرطة. "التسول غير قانوني. المسموح فقط، هو العمل في القُمامة للأطفال الرومان، في بلغراد".

الكرتون هو الأساس الذي يوفر المال القليل. يعثرون عليه ثم يبلل بالماء، ليُصبح أكثر وزنا وربحا. كل شيء مدروس ومحترف. لا متسع لرقة الطفولة ولا لدلعها الطبيعي.

تأتي الشاحنات فتنقل البضاعة. ينقل المخرج الواقع بأمانة، مجردا من أية جماليات. الكاميرا من الأعلى، تأخذ مشهد القُمامة، وتُكمل إلى بيوت الأطفال، التي لا تَفرق عن القُمامة بشيء، فهي تشبه الكرتون الذي يبيعونه.

داخل ما يُسمى البيت، تم تصويره بشكل يدل على ضيقه. استفاد المخرج من موقع التصوير الطبيعي. مكان يُشبه لوحة تلصيق (كولاج). كل زاوية منه تحكي، تبتسم بمرارة، تبكي، تَقول قصة.

الأب يستهلك لشراء المخدرات الجزء الأكبر من المال القليل الذي توفره القمامة (الجزيرة)

الأطفال يأكلون مجتمعين حول طبق ولا يظهرأي أثاث، سوى بوتغاز للطهو. تأكل العائلة، بشكل متقطع، وكلما توفر لها المال والطعام. ينامون جنبا إلى جنب. رضيع تحت رُزمة من القماش والأغراض.

الزوج في عمر الشباب جالس على شيء يُشبه السرير. يبتسم وهو تحت تأثير المخدر، فاقدا بعض أسنانه. هو في مملكته، يحقن نفسه بالمخدر، وامرأة تُرضع ابنها. تنظر دون أية كلمة. الكاميرا على طفل نائم وصوت أنفاسه، وكأن التلوث الذي يعيشون فيه، طال صدره.

يسرد الفيلم حياة ويوميات عائلة تعيش بمستنقع للفقر. يعيشوا يومياتهم مستسلمين. لا يبدو على الأهل أية طموحات في تغيير الحال، لكنهم لا شك إن مُدت لهم يد العون، لن يتمسكوا بحياة لا تشبه الحياة.

تأخذ الكاميرا وجوها تنفع لرسمها "بورتريهات". وجوها بمجملها تعبة من قلة الغذاء. وجه لفحته الشمس. وجه لامسته الفطريات. طفل يبتسم.  يتمنى الذهاب إلى المدرسة، لكن الأهل يُفضلونه عاملا يأتي بالمال.

"لسنا أغنياء، لكن لدينا أطفالا هم ثروتنا"، هكذا افتتح الفيلم نصه. وحالما قرر الأهل أن "الثروة" يمكن أن تكون استثمارا آخر، في التعليم، لعل وعسى، تبرو الكاميرا الولد الشقي الذي يتمتع بكامل قواه العقلية ولكنه من غير المسموح أن يلتحق بمدرسة عادية وإنما في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة.

رغم فقر المكان، إلا أنه لا شك، قد أغنى عملا تسجيليا، بلمسات المخرج الفنية، المائلة إلى البساطة، دون عرض عضلات تصويرية. كاللعب بالنور والظل، والاجتهاد بأخذ الزوايا، التي ليست بحاجة لاجتهاد، بل للذكاء، في الاستفادة من الموجود، وتأطيره، لشد الانتباه.

عبثية المكان وتميزه، استفاد منهما المخرج وتناغم معهما بكل لقطة وتحرك، وحصد العديد من اللوحات التي تحكي البؤس، وتبين خصوصية عمل المخرج، الذي بعمله لم يُقلد أي عمل فني آخر.

سيفدي: أريد الذهاب للمدرسة وأن أوجه لكمة لوالدي (الجزيرة)

اعتمد على إحساسه بما يُشاهد وترك لأبطاله أن يقودوه إلى عالمهم وصورهم الواقعية. بيت هو أحد عُلَب المكان، يدهنه رجل يستعد للزواج. بين الألوان الرمادية تبدو حركة الدهان، مُريحة. ألوان منوعة أزرق وبنفسجي وأبيض. لقطة أخرى لطفل يخرج قرب الباب وقد مُدت سجادة حمراء بين رماديات أخرى.

لا تفتر مشاعر المخرج بمتابعته الأطفال بكل تحركاتهم. لكن سؤال بديهي. "ما نوعية البلد الذي يعيش فيه هؤلاء البشر، هل هم بكوكب خاص؟" نعم هم كذلك. لكن المُشاهد، بحاجة للتعرف إلى العالم المحيط بهم. الحالة العامة التي يعيشها بقية المواطنين، الذين أنتجوا تلك النفايات. لم يدخل الفيلم إلى مدينة بلغراد الأنيقة والجميلة، والتي تتميز بمبان هندسية رائعة، ومطاعم وفنادق فخمة جدا.

كان هناك مشهدان عابران خجولان، الأول في الشارع الذي لم يُصوَر أية ملامح خاصة به، بل اقتصر بمعظم اللقطات بـ"زوم إن" و"كلوزات" على أبطاله. ولا احتك بالمواطنين العاديين، سوى الذين مروا محسنين على سيفدي ببعض النقود. كان مشهدا عابرا ومبهما.

أما المشهد الثاني فكان خلال اللقطات التي أخذت في المنزل المعتم. كان واضحا أنهم لا يعرفون شيئا عن الكهرباء. فتؤخذ لقطة بعيدة للمدينة المضاءة بالمباني والسيارات. لقطة وكأنها ألصقت على عجل بعد انتباه المخرج، لِما ذكرناه. التضاد بالمشاهد، كان ضروريا، فهو يزيد من الصدمة والإدانة.

كما سبق وأشرنا، فإن الفقر والبؤس، ليس حالة حصرية ببلد معين، لذلك كنا بحاجة لخصوصية ما، لمعرفة الخلل، في مجتمع أو نظام، يُنتج هكذا بؤس.

أطفال مُستغلون من قبل أهاليهم. يأكلون من النفايات، وأحيانا يوفرون بعض المال بالخفية عنهم، وعن أم لا تلد حتى تعود لتحمل من جديد، لِتُكثر من الأطفال المنتجين. يأكلون بالسر، سندويشا نظيفا من أحد المحلات الجاهزة. هذه المتعة الوحيدة على الأقل، التي يعيها الطفل: لذة الطعام. المشهد "كلوز"على وجه الطفلة وهي تأكل. كل الدنيا تساوي عند طفل فقير، سندويش لذيذ.
دورة الحياة البائسة من حاوية القمامة إلى بيت الصفيح (الجزيرة)
لم يَبدُ على هؤلاء الأطفال أي تأفف من طريقة عيشهم، إلا في نهاية الفيلم، حين تقول سيفدي إنها حين تكبر، سوف تضرب والدها الذي هو بدوره، يضرب أمها، عند حاجته للمخدرات.

فيلم " أولاد ضائعون" يُضيء على أناس منسيين. يعيشون على فضلات أناس آخرين لم نعرف عنهم شيئا. نجح المخرج بتوصيل مشهد البؤس. نجح بأن يكون فيلمه صفعة للوجوه المحايدة.

* كاتبة من لبنان

المصدر : الجزيرة