الحبيب ناصري*

على امتداد 52 دقيقة استطاع المخرج الطاهر عبد اللاوي في فيلمه التسجيلي المعنون بـ"من الرباط إلى القدس" أن يشد انتباهنا إلى حكاية/سمفونية سياسية مغربية تتعلق بالقدس/فلسطين، كيف يتمثل أهل السياسة والنخب الثقافية والجمعوية وأيضا عموم المواطنين هذه القضية التي اتفق حولها المغاربة بجانب بعض القضايا الوطنية الأخرى كوحدة التراب الوطني.

منذ البدء، بدأنا نتلمس رغبة المخرج في تقديم تصورات/رؤى سياسية لمكونات يسارية بتلوينات مغربية يهودية وغيرها بجانب قوى أخرى محافظة، ومن هو آت من عالم المعرفة والبحث.
المسيرات المليونية دعما لفلسطين تشارك فيها كل المكونات السياسية المغربية (الجزيرة)

شهادات ووثائق، وتنقلات بين بعض المدن المغربية، وتوظيفات أرشيفية مستمدة من الخطابات السياسية المغربية الرسمية، وعودة بين الفينة والأخرى للمسيرة المغربية المليونية بالرباط التي كانت مفتوحة في وجه جميع المكونات السياسية الرسمية واليمينية واليسارية والحقوقية والشعبية، مسيرة منها استوحى المخرج عنوان فيلمه "من الرباط إلى القدس"، بل من هذه المسيرة نحت ملصق فيلمه بألبسة مغربية تقليدية، بجانب ما يحيل إلى لمسة الحداثة.

مسيرة جعلها المخرج صمام أمان، أراد بها خيطا حكائيا رابطا بين جميع الشهادات التي توحدت في البدء، لكنها سرعان ما بدأت تتكسر على صخرة التطبيع، بين من يدافع بشكل مبطن عنه، معتبرا إياه غير مناف لدعم القضية، وبين من صمد ورفض بشكل قطعي هذا التطبيع الغادر والخادم للعدو، بما في ذلك بعض المكونات اليسارية اليهودية المغربية التي اعتبرته فعلا غير أخلاقي.

بل أكثر من هذا، فككت هذه القضية حتى داخل لعبة/لغة الفعل الفيلمي التسجيلي من خلال ما أثاره فيلم "من تنغير إلى جيروزاليم" لمخرجه المغربي/الفرنسي كمال هشكار، حيث تم تحليل الفيلم من زاويتين مختلفتين تعكسان وجهة نظر النخب السياسية والثقافية الرسمية والشعبية.

استطاع المخرج وبلغة حكائية فيلمية تسجيلية تعميق النقاش السياسي الذي ربما يدور في العديد من الدول العربية على وجه الخصوص، نقاش من الممكن اعتباره مكونا حدثيا نوعيا "خلخل" حقيقة من يطبع ضد من التصق بالقضية بشكل وجداني عميق.

البرلماني والباحث الإسلامي أبو زيد الإدريسي: التطبيع لم يكن إلا توسعة على إسرائيل (الجزيرة)
طبعا الفيلم التسجيلي ''من تنغير إلى جيروزاليم" في نظر الأغلبية الرافضة له فيلم دعائي بامتياز للتطبيع، تتبع كيفية عيش بعض اليهود المغاربة الذين تركوا ديارهم في جنوب المغرب (مثل تنغير كمنطقة أمازيغية توجد جنوب المغرب) في اتجاه "جيروزاليم" (لنلاحظ الاستعمال المعجمي للكلمة).

المخرج الطاهر عبد اللاوي جعل من فيلم تنغير جيروزاليم مادة فيلمية تسجيلية حية، (حكي على هامش حكي)، ولا سيما حينما سافر إلى منطقة تنغير، قصد النبش في ملف هجرة و/أو تهجير هؤلاء اليهود المغاربة، وقد تجولت الكاميرا في بعض مساكنهم ومعابدهم.

هنا سيتم القبض على لحظة لا تخلو من حس إنساني عريق، وهو تعايش سكان هذه المنطقة خلال وجود اليهود المغاربة بمنطقة تنغير، تعايش قدم من وجهة نظر سكان المنطقة المغاربة الأمازيغ، حيث أكدوا على سلمية وتساكن وتواصل الجميع، وجرى سرد مجموعة من النتف القصصية المبرزة لطبيعة هذا الجوار.

الرؤية الإخراجية
لأن القضية هنا مرهونة بوجدان شعب بكل مكوناته يصبح المخرج مطالبا بمعرفة المكنون الذي يحتوي هذا الوجدان والمرجعيات السياسية والدينية والشعبية، وبلغة الصورة، ولا سيما عند شعب التصق بالقدس، بل ما زالت بعض الأمكنة بهذه البقعة المقدسة تؤكد صلة المغاربة بهذا المكان الطاهر، مثل باب المغاربة وحي المغاربة.

هنا فرضت الرؤية على المخرج المحاولة ولو بشكل مؤقت أن يكون "محايدا"، بل تاركا مسافة نسبية بينه وبين ما يقال وما يقدم من شهادات وصور أرشيفية من تاريخ القضية، ومن زاوية مغربية محضة وأيضا عربية، ولا سيما أن العديد من المؤتمرات العربية صنعت قراراتها السياسية الخاصة بالقضية، هنا في بعض المدن المغربية كمدينة فاس والرباط والدار البيضاء.

وعلى الرغم من حرص المخرج على هذه "المهنية" الإخراجية فإن عودته بين الفينة والأخرى إلى المسيرة المليونية التي تتحول فيها أصوات وبحات المشاركين إلى سمفونية صوتية/إيقاعية دون توظيف أي شكل من أشكال الموسيقى الموظفة في مثل هذه المواقف عودة تجمل في طياتها وجهة نظر من خلف الكاميرا ومن كتب العمل. 
أحمد ويحمان مشيرا إلى بيوت ليهود مغاربة: غادروا البلاد خوفا من انتقام الحركة الصهيونية (الجزيرة)

مسيرة كانت تعج بها شوارع الرباط باعتبارها حركة حطمت الحدود الفاصلة بين السياسي الرسمي واليساري والديني والشعب، والتي كانت صورها مؤثرة جدا وملتصقة بهموم شعب فلسطيني يناضل ومنذ مدة من أجل حقه في الحياة والكرامة والحلم، وإيقاف كافة أشكال النهب التي يتعرض لها على مستوى تاريخه وجغرافيته وفنونه وألبسته وحكاياته، يعود المخرج بين الفينة والأخرى لهذه المسيرة، ليحتمي بها باعتباره مواطنا مغربيا له وجدان متعلق بالقضية كباقي المواطنين المغاربة.

فيلم "من الرباط إلى القدس" رحلة بحث في ذاكرة السياسة والثقافة والبعد الشعبي المغربي، نبش دقيق في تصورات ورؤى، من يصنع القرار السياسي المغربي، أو من هم خارجه، نبش أكد عدالة القضية وإدانة المحتل، وتفرق في تبرير التطبيع وفق هوى السياسة والمصالح الباطنية أو الظاهرية.

وتبقى الرغبة في تحقيق حلم محتوى ملصق الفيلم أي حلم الذهاب من الرباط إلى القدس بشكل جماعي هي ما يوحد الهاجس الحاضر عند الجميع.. تحرير القدس بالطريقة الشعبية الجامعة بين جميع مكونات المجتمع المغربي، وللتذكير فهذا الفيلم من إنتاج برنامج "تحت المجهر" وبثته فضائية الجزيرة.

* ناقد من المغرب

المصدر : الجزيرة