حميد بن عمره*

لا ينافس كرة القدم في التداول والحضور الشعبي سوى القهوة والشاي. وإن كانت ابنة الإنجليز في ولادتها، فهي الآن أم الألعاب الأكثر ممارسة على سطح الكرة الأرضية.

ورغم هذا النفوذ العميق فإن السينما لم تدرجها بالقدر الكافي كما فعلت مع الملاكمة في تركيب أفلام دخلت قاموس السينما الكلاسيكية. وغالبا ما يخطر بالبال تلقائيا في علاقة الكرة بالسينما فيلمان: الأول لجون هوستن "الفوز لنا" (Victory) الذي تجري أحداثه بسجن نازي في فرنسا، إذ ينظم سجان ولاعب سابق مباراة بين فريق السجناء وفريق السجانين. فيلم يقوم بالأدوار فيه بيليه وبوبي مور.

أما الفيلم الثاني فهو لمخرجه فيم فاندرس وعنوانه "حيرة حارس المرمى أمام ضربة الجزاء" الذي نذكر منه عنوانه الطويل أكثر من محتواه الدرامي.
بين النادي والنادي الآخر قد يقطع الفلسطيني عشرين حاجزا إسرائيليا (الجزيرة)

غير أن ما يجمعنا في هذه الخطوط ليس خط تماس لملعب يحتضن نهائي كأس العالم القادم، وإنما الخط الأحمر الذي يتجاوزه الاحتلال في فلسطين ضد الكرة الفلسطينية ولاعبيها.

يفتتح المخرج الفرنسي ستيفان فالونتان فيلمه "مارادونا رام الله" بلقطات مسددة من الوهلة الأولى نحو المرمى.

الحياة هنا يتوقف فيها النفَس حسب عدد مواقف التفتيش، ولا يستدير في محيطها إلا كرة القدم.

العنوان يحمل في ثناياه قنبلة إعلامية كبيرة المفعول: ماذا يمثل دييغو مارادونا للكرة الفلسطينية؟
هل الكرة الفلسطينية بحاجة إلى أيقونة عالمية للخروج من الحصار الإعلامي؟ هل يتفكك الحصار بالبواخر فقط أم أن السينما أسطول لا يحتجز؟

وهل العنوان طُعم يصطاد به المخرج المقال والشاشة والمعلق، أم أنه يوحي إلى أجيال تلعب دورا أساسيا في التعريف بواقع الاستعمار، وأن المهارة المارادونية متوافرة أيضا في أقدام الفلسطينيين؟

 المحتل لا ينام جيدا، لا لأن أضواء الأمم في نيويورك ساطعة، بل لأن طفلا فلسطينيا ولد قبل قليل وبكاؤه أزعج غولدا مائير، لو تتذكرون
فالونتان يضع الكرة في ملعب الأمم المتحدة التي لا تلعب في بطولة نوادي الأحياء الشعبية، والتي لم تنفذ قرارا واحدا بخصوص فلسطين إلى يومنا هذا. كما يضع الكرة في ملعب السياسيين الفرنسيين الذين يدافعون عن أي أسير عسكري محتل يغامر خارج ثكنته ويرفعون الصور واللافتات له في الشوارع الباريسية، كأن أسر الجنود أثناء الحروب جريمة أكبر من أسر آلاف الأسرى الفلسطينيين.

يستعمل الفيلم الكرة ليضرب بها عرض حائط الستة أمتار وكل المعتقدات الخاطئة عن الحياة في الأرض المحتلة، كما يقذف من عقولنا الصور المزيفة لبلد تتقلص حدود خريطته كل يوم منذ ستين عاما.

فالونتان لا يخرج فيلما رياضيا عن فوائد الكرة لصحة الفلسطينيين، بل يدخل بالكرة إلى ذاكرة التاريخ المنسي لأول فريق وطني فلسطيني أسس عام ١٩٢٨ والذي شارك وقتها في تصفيات كأس العالم سنة ١٩٣٠.

يراوغ الفيلم مشاهده بين اللقطات الجادة الرسمية المنددة وتلك التي تقتطف من وراء الأسلاك الشائكة براعم لوجوه باسمة لأطفالٍ ملعبهم الشارع وجمهورهم اصطف على الرصيف. ثمة لقطة للقدس في وقت الأصيل تبدو كنصف كرة ذهبية مقدسة.
المخرج فالونتان أبرز القرى والمدن الفلسطينية المسحوقة باسم التعويض عن جرائم النازية (الجزيرة)

يخرج فالونتان من الأرشيف أسماء كهرتزل وروتشيلد ومن والاهما في مباريات دامية طرد فيها السكان الأصليون وحلّ مكانهم سكان احتياطيون من أصل أوروبي. يتوقف أمام سجل القرى والمدن التي سحقت باسم التعويض عن جرائم النازية التي لم يكن للفلسطينيين فيها دخل إطلاقا. ثم يشير بإصبع حاد إلى مواطنه الفرنسي ميشال بلاتيني، رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم والذي استقبل من طرف رئيس دولة الاحتلال بخصوص البطولة الأوروبية لما دون 20 سنة المنعقدة عام ٢٠١٣.

فإذا كان بلاتيني ماهرا في رفع الكرة فوق جدار لاعبي الخصم وتحدي حراس المرمى العالميين، فهل يعرف ماضي الرجل الذي يقابله؟ ماذا يعرف بلاتيني عن الهاغانا وشتيرن والأراغون؟ وهل نسي بلاتيني أن أباه مغترب إيطالي هرب من الفاشية إلى فرنسا؟ كيف لبلد غير أوروبي جغرافيا أن يحتضن ويشارك في بطولة أوروبا لكرة القدم؟ بلاتيني يتجاهل أن المخالفات يومية في الملعب المجاور المحتل منذ ستين عاما.

الفرق بين مارادونا وبلاتيني أن الأول ثوري والثاني سياسي نفعي. مارادونا يرفع راية الشعب المقهور، وبلاتيني يزور رئيس الجيش القاهر. الأول مرفوع القامة، والثاني مطأطئ الرأس

نسترجع التاريخ الحديث مع الناشط صلاح حموري الفرنسي الفلسطيني الأصل والذي مكث بالسجن سبع سنوات دون أن يحرك سياسيو فرنسا ساكنا.. أولئك السياسيون المتشددون في قضية حرية المرأة وحرية التعبير وحرية الديانة والتي يمارسونها بتعصب بالغ، إلا إذا خص الأمر سجينا يندد بسياسة المطرقة. ففرنسية حموري لا تساوي فرنسية الجندي المحتل رغم حمرة نفس جوازي سفرهما.

"العالم ينقسم إلى جزأين" كما يقول كلينت استوود في أشهر فيلم ويسترن "الطيب، الشرير والأبله"، و"هناك من يملك المسدس وهناك من يحفر، إذن أنت تحفر".

في فيلم "مارادونا رام الله" يمكن اقتباس هذا ليصير "هناك من يملك القنبلة وهناك من يراها تسقط عليه".. هناك من يريد قبرا لا يستطيع حفره، لأن السجين الفلسطيني إذا وافته المنية في الزنزانة ولم يكمل بذلك مدة حبسه المفروضة، فإن الجثث لا تردّ إلى أصحابها حتى انتهاء مدة العقوبة، يقول حموري.

في شهر أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٠٨ انطلقت رسميا الكرة الفلسطينية يوم تدشين ملعب فيصل الحسيني بمباراة كان الضيف فيها الأردن الذي حاول المحتل دفعه بقوة إلى عدم قبول الدعوة.

إن الحواجز ونقاط التفتيش المدسوسة بين الأحياء تمنع حضور اللاعب الفلسطيني تمارينه ومبارياته الأسبوعية، لأن الفاصل بين ناد وآخر لا يقل عن عشرين حاجزا يضيِّع فيها اللاعب ست ساعات بأكملها لقطع مسافة عشرة كيلومترات فقط!

يستعمل الفيلم الكرة ليضرب بها عرض حائط الستة أمتار وكل المعتقدات الخاطئة عن الحياة في الأرض المحتلة، كما يقذف من عقولنا الصور المزيفة لبلد تتقلص حدود خريطته كل يوم منذ ستين عاما

ست ساعات ناقصة من عمره ومن عمر الكرة الأسيرة. وإذا كانت المباراة قرب مستوطنة لا يرغب أهلها أن يحاذيهم نشاط رياضي، فإن إطلاق النار مسموح ولا يعاقب عليه الجاني قتل أو لم يقتل برصاصه أنصارا أو لاعبين.

الجدار المرتفع فوق القانون يمتد طوله 810 كلم كلف 3.3 مليارات دولار، كما دخلت في بنائه أكثر من ٥٠٠ شركة مختلفة. يختزل الجدار ١٢% من الخريطة السابقة مما تم الاتفاق على أن يكون دولة فلسطين.

يغوص الفيلم في تمرين حسابي تتراكم فيه الأرقام والنسب والتواريخ، فيتحول الفيلم التسجيلي إلى سجل بقوائم وأسماء يستحسن الإشارة إليها دون عرضها كلها. فلماذا يرقِّم ويفصل الفيلم في إحصائيات لا يفسر من فواصلها إلا المختص والمحترف، أم أن السينما تتزود بهذه الدفاتر لتأكيد ثوريتها؟ هل الإكثار من التفاصيل المعلوماتية يشوش ماهية الصورة ومضمونها أم يزيدها تماسكا بموضوعها؟

هل يخرج الفيلم التسجيلي عن إطاره عندما يستنسخ مواد التقرير التلفزيوني، أم أن إدراج الأسلوب الإخباري يزيد الفيلم واقعية؟

صفارتا الحكم والإنذار
تختلط صفارة الحكم وصفارة الإنذار أحيانا في فضاء لا تحلق فيه الطائرات للتصوير الفني. وبين أذان المغرب وفجره تفقد أجساد أرواحها بين نقطة تفتيش وأخرى.

لأن الكرة من اسمها كروية، يعود الفيلم إلى فرنسا، يعود إليها أكثر من قلب رام الله، ليقول إن فرنسا هي البلد الوحيد الذي يمنع فيه النداء لمقاطعة إسرائيل، والمنادي بذلك يدخل المحاكم ويحاسب كمجرم

ستيفان فالونتان يمزج في تصويره بين السينما النضالية التي تعطي للمضمون كل أوراقها، والفيلم التسجيلي المولع بحياة الناس واستئناسهم للكاميرا.

"مارادونا رام الله" فيلم لشعب يعيش على خط التماس، ولا يرى من الحرية إلا ضوءا يلامس الأسلاك الشائكة حول دياره.

يدخل الشوط الثالث للفيلم على بلاتيني الذي يسد بيده الضوء على عدسة المصور في فناء الفندق اشمئزازا، كأنه يدرك أن لوجوده ما يستحق التصفير عليه وما لا يرضيه أن يسجل.

الفرق بين مارادونا وبلاتيني أن الأول ثوري والثاني سياسي نفعي. مارادونا يرفع راية الشعب المقهور، وبلاتيني يزور رئيس الجيش القاهر. الأول مرفوع القامة، والثاني مطأطئ الرأس.

الإضراب عن الطعام الذي نفذه اللاعب محمود السرسك في سجنه واحتجاج نجوم الكرة العالمية من كانتونا، ودروغبا وكانوتي وطرحهم مجددا فكرة المقاطعة والممانعة على الساحة الأوروبية، قد تبدو مهيضة الجناح أمام محتل لا يحفل بالأمم المتحدة.

"مارادونا رام الله" يصور قصة شعب لا يرى من الحرية إلا ضوءا يلامس السلك الشائك (الجزيرة)

غير أن المحتل لا ينام جيدا، لا لأن أضواء الأمم في نيويورك ساطعة، بل لأن طفلا فلسطينيا ولد قبل قليل وبكاؤه أزعج غولدا مائير، لو تتذكرون.

ولأن الكرة من اسمها كروية، يعود الفيلم إلى فرنسا، يعود إليها أكثر من قلب رام الله، ليقول إن فرنسا هي البلد الوحيد الذي يمنع فيه النداء لمقاطعة إسرائيل، والمنادي بذلك يدخل المحاكم ويحاسب كمجرم.

"حاصر حصارك لا مفر.." واجعل من كل ملعب بلدا.
_____________________
* مخرج جزائري مقيم في فرنسا

المصدر : الجزيرة