حميد بن عمره

"الزهور، الزهور تتفتّح.." يتمتم أحد شيوخ قرية ساراياكو الأمازونية بنغمة بطيئة الوزن في حلكة الغابة بين أحضان نور خافت تمايلت ألسنة ناره مع السرد الحزين.

تقف الكاميرا مصغية في سكون الليل لتحيط رويدا بوجوه الحاضرين وتستفسر عن كلمات الترنيمة السرية التي يفوق عمرها أكثر من ٥٠٠ عام. إنها أنشودة الورد وعنوان فيلم جاك دوشان البلجيكي.

يغوص الفيلم في أعماق الغابة والتفاف أشجارها وأوراقها النادرة ملتقطا أصواتها المتداخلة.

يمثل هنود الأمازون في قرية ساراياكو الإكوادورية ١٢٠٠ نسمة. ويقول خوسيه غوليانا إن "الغابة سوق مفتوحة على امتداد الأشجار والجبال وإنها مصدر القوت والدواء".

خوسيه ممثل جاليته في الخارج يطوف العالم وزوجته البلجيكية سابين بوشا التي درست الزراعة الاستوائية قبل أن يصل بها الفضول وحب الطبيعة إلى الإكوادور.

تصر سابين على أن ما تتعلمه من عائلتها الجديدة يفوق بكثير ما تعلمته في جامعات بلجيكا، كما تشير إلى الخطر الذي يهدد أكثر من عشرة آلاف نبتة وما يماثلها من حشرات وحيوانات بالانقراض.

شباب قرية ساراياكو الأمازونية واجهوا بطش العسكر وشركات النفط (الجزيرة)

تخطو الكاميرا وراء سابين مهرولة نحو منزلها الجديد. هذا النوع من التصوير الإخباري المتداول كثيرا في التلفزيون لا يخدم الفيلم، إذ ينزل به إلى قائمة الريبورتاج المرتجل. فما جدوى تصوير شخص من الخلف خصوصا إذا كان يمشي ويتحدث إليك؟

البيوت بالأمازون قصيرة العمر، ومعدل وقوفها أمام الرطوبة لا يتجاوز العشرين عاما. تتفقد سابين تقدم الورشة وابنها الوحيد الذي يحلم بغرفة نوم أكبر من حلمه.

تبدو أراضي ساراياكو من فوق الطائرة المتوغلة في أعماق الغابة كبساط أخضر بكثافة داكنة، ومن تحت هذا الرداء أينعت الحياة منذ قرون على حافة النهر. لكن هذا ليس موضوع الفيلم ما دام الصراع مستمرا ضد التوسع البترولي لشركات أوروبية ولاتينية.
 
بدأ التنقيب عن الذهب الأسود عام ١٩٧٠. ومنذ ذلك التاريخ لم يتوقف سكان القرية الصغيرة عن الكفاح السلمي ضد مليشيات الشركات المتعددة الجنسيات وحليفهم الدائم، الجيش الإكوادوري.

إن استراتيجية قرية ساراياكو تتمحور حول رسم حدود بالزهور سمّوه "طريق الورد". تغرس أشجار الوارانكا المزدهرة لترسم محيط الأراضي الأصلية وتجعلها مرئية من السماء.

أشجار الوارانكا تعلو وتثمر بألوانها بعد ٣٠ عاما أي ستكون جلية بعد العام ٢٠٣٥. تغرس الأشجار على امتداد ٣٠٠ كلم بشكل دوائر تسمى "تيام" أي الدوران.

كل عائلة تتولى منطقة للغرس. إنه صراع الحلم ضد الرشاش وصراع الشعب الأعزل ضد بنوك رأس المال. كما يستعملون في كفاحهم الكاميرات التي تسجل اعتداءات الجيش على أراضيهم وذويهم. فأبطال فيلمنا التسجيلي يعرفون قوة العدسة وتأثيرها في الرأي العام الأجنبي.

البلجيكية سابين بوشا.. من دراسة الزراعة الاستوائية إلى الانتماء لثقافة أصحاب البلاد الأصليين (الجزيرة)

عام ٢٠٠٢ نزلت شركة أرجنتينية على القرية بجيشها ومنقبيها وفرضت حالة طوارئ على السكان، فعذب من عذب واغتصب الأطفال، ومن لم يهرب هجّر قسرا ولم ينج إلا طويل العمر، وانتشر الجوع وتشتتت العائلات.

أما هذه المرة وبعد عناء طويل فتمكن السكان وممثلهم خوسيه باستدعاء رئيس المحكمة الدولية لحقوق الإنسان لدول أميركا اللاتينية ليحقق أخيرا في قضية قرية ساراياكو.

تهبط المروحية العسكرية كطير عملاق أمام جمع من السكان يترقبون نزول الرسول المنتظر وعدد من الجنود المدرعين. يستقبل الوفد ورئيسه حسب بروتوكول محلي يمتزج فيه الفلكلور بشيء من الحذر. تقرع الطبول مرحبة أمام جندي يصور الحدث لتقرير عسكري.

فهل السينما التسجيلية تدخل بابها السري في التدخلات الدبلوماسية أم أن هذا التسجيل أرشيفي الهدف لا غير؟

يظهر مهندس الصوت  بمعداته في لقطة سريعة محاولا خرق صفوف الحشد الملفوف لنستنتج أن هناك فريقا ثانيا لفيلم "أنشودة الورد".

يتقدم أحد الفتية في زي تقليدي برمح ودرع مزركش مرافقا ضيوفه. وعندما يقترب من الكاميرا وينتبه أنه موضوع اللقطة يغطي بدرعه العدسة حاجبا بذلك وجهه عنها. فهل وجود المخرج البلجيكي مقبول  من طرف كل السكان أم أن هناك من يعارض شهادة كاميراته بهذا الموقف؟

الفيلم من إخراج جاك دوشان وخوسيه ڤوالينيا. وبهذا الصدد هل يستعمل البلجيكي صاحب موضوعه لاكتساب السكان أم أن خوسيه هو الذي يستغل تمكن جاك وحرفيته للدخول إلى عالم السينما؟

في لقطة سريعة قبل الاستماع لشهادات السكان أمام أعضاء المحكمة الدولية يظهر شاب آخر بهندامه الفلكلوري بين عسكرين بأسلحتهما الحديثة كأنه أخطأ في جدوله الزمني وأنه لا ينتمي إلى عالمنا الحالي. كما تُظهر هذه اللقطة الفرق الشاسع بين موازين القوى في هذا الصراع من أجل البقاء.

رئيس محكمة حقوق الإنسان بأميركا اللاتينية يتقصى الحقائق في قرية ساراياكو (الجزيرة)

فالصراع لن يكون في ساحة الوغى وإنما بين قوة الرموز ومدى اختراقها محاكم الدول المسيطرة عن المطر والشمس. هل يريد مركّب الفيلم إخبارنا بما وراء الستار بهذه اللقطات أم أن ذللك عفوي لا مراد منه؟

لكن قبل هذا اليوم الذي تم التحضير له بدقة حاولت عجوز تحليل خطابها مسبقا لتستنتج أن التدخل المباشر يبدو دوما استفزازيا رغم صدقه، وأن الحديث عن الحياة وشتى ألوانها أولى من الاحتجاج الذي يفقد المفردات قوتها لتختم منطقها بالقتال إذا لم يفلح الخطاب السلمي.

إن العجوز رغم ثوريتها قد لا تعرف أن الوقوف في وجه البنوك أكبر من الوقوف ضد الإعصار وأن رأس المال لا يحب العمل بل يتقن استغلاله جيدا والسياسة النفعية لا تحب الشعوب بل تستنفع بها.

يستمع رئيس المحكمة المرتجلة في فناء أعد لذلك إلى مجلس شعب "منتصف النهار" كما يفخر أهل القرية بذكره وتكراره. فتجلس عجوز أخرى بوجه رسم على تجاعيده وشم أصيل وعلى ظهرها قرد صغير يداعب أيامها الأخيرة لتقص معاناة أهلها من عمالقة البترول.

تتوالى القصص من إطلاق نار وانهيار منازل ودفن للجثث وانتهاكات لحرمة الناس ليكون السؤال: فأين الحكومة الإكوادورية حينما كانت الشركات النفطية تلعب بحياة الناس؟

هل كان الوصول إلى المحاكم الدولية ممكنا لولا انتشار الخبر من خلال الكاميرا وبلوغ الصورة الناطقة أقطاب العالم؟ هل قوة الحب وعلاقة سابين وخوسيه كافية للخروج بالقضية الساراياكونية إلى منتصف النهار؟

يعتز خوسيه بصور له مع شخصيات سياسية فرنسية، كما يعتز بصورة له يحمل فيها كاميرا.

هل يريد المخرج بإبقاء هذه الصور في التركيب تبريرا لحضور خوسيه مخرجا ثانيا حتى لا يشتبه في وجوده بالفيلم، أم أن ذلك شرط مفروض من خوسيه للسماح للفريق البلجيكي بالتصوير؟ فكيف يتحول فجأة ناشط سياسي إلى مخرج سينمائي بمجرد أنه يملك كل أوراق الموضوع؟

يعبر سكان القرية الغابة بزورق صمم في قطعة واحدة بعد نحت مرهق. اللقطات تركز وتبالغ أحيانا في فكرة الجهد الجماعي وأهمية الهدف الواحد.

بلسان عجوز في قرية ساراياكو "الغابة حية ولكل شجرة روح" (الجزيرة)

يلتقط المصور لقطة لسيدات يتناولن فطورهن بعد جهد كبير فتكشف الشمس عن ظل الكاميرا وحاملها. فهل تعمد المصور هذه الزاوية كإمضاء لعمله أم أنه عدم انتباه ناجم عن قلة خبرة؟ لماذا يتعمد المخرج ومركبه توظيف هذه اللقطات التي تذكرنا بأن هناك من يصور وهناك من هم موضوع التصوير؟

"الغابة حية ولكل شجرة روح" يقول عجوز افتتاحية فيلم "أنشودة الورد" لتلميذ له يستوعب أقواله ويهضمها باعتزاز بالغ.

"سترحل أرواح الغابات كلها إذا استوطنت شركات النفط بغاباتنا". يؤكد له أثناء قطفه لأعشاب وأغصان مهلوسة يدخل بها عالم الأرواح الغريب.

ينسى المخرج أسماء المتدخلين الآخرين، فلا نعرف عنهم النسب والمنسوب، ولا يمكننا استدراجهم ضمن قالب اجتماعي واضح. فكيف تبذل جهود كبيرة في إيصال مقاومة شعب نسي القانون وجوده ولا يبذل فيلم أدنى جهد لإعطاء هوية الأشخاص المشاركين فيه؟

يعاني الفيلم أيضا من غموض في خطه البياني السينمائي، إذ يقدم شخصيات تبدو أساسية ثم لا يعتني بها، مثل سابين زوجة خوسيه التي يذوب دورها تدريجيا ولا نفهم جدوى بروزها الهام في مطلع الفيلم.

تذكر عجوز أخرى لأطفال أحاطوا بها أن شظايا تفجيرات التنقيب كان يفوق مداها طول الأشجار وأن تسمم النهر وتراكم مخلفات البترول فيه قضى على حياة كل الأسماك.

لذلك مشروع "حدود الحياة" مستوحى من أنشودة الوردة، كما أنه يذكر بما قاله الزعيم الفيتنامي هوشي منه في زنزانة المستعمر الفرنسي: "رائحة وردة بالسجن تُظهر ظلم العالم كله".

عجوز أمازونية: النفط قتل كل أسماك النهر (الجزيرة)

فرغم القرار الصادر عن المحكمة الدولية الناص على إدخال سكان ساراياكو في كل القرارات التي تعني أرضهم فإن الحكومة الإكوادورية منحت امتيازات جديدة للشركات النفطية كما وضعت ما يعادل ٨.٣ ملايين هكتار من أراضي الغابة الأمازونية للبيع في الأسواق العالمية.

فأين كان الرئيس الإكوادوري رافائيل كورييا المتزوج أيضا من بلجيكية والتي لم تدرس الزراعة الاستوائية للأسف؟ فوراء كل رجل عظيم امرأة.

"الزهور الزهور تتفتح".. يرجع الفيلم كما وعد إلى مشهده الأول، وكأن الثورة مطمح للبصر، مثل أشجار الوارانكا التي لن تفصح عن ألوانها إلا بعد ثلاثين عاما.

* مخرج جزائري مقيم في فرنسا

المصدر : الجزيرة