عيسى الشيخ حسن*


في الكتابة عن الفيلم التسجيلي " خوان غويتسولو.. الانتساب إلى شجرة الأدب" تأخذنا غواية الموضوع التي تتغلب على صناعة الفيلم المعروض ضمن سلسلة "وحي القلم" على قناة الجزيرة.

حلّق الفيلم في أمداء الروائي خوان غويتسولو الباحث عن ذاته خارج مفهوم الوطنية المرتبطة بالحداثة الأوروبية، في 38 دقيقة تضع المتلقي في حالة مركّبة من الألفة وفضول المعرفة وسعاداتها، في التعرف إلى روائيّ يختصر الإنساني والمتمرد في روحه، وكأنه سيرفانتس في نسخته الأخيرة، دون كيشوت الذي أعيد إنتاجه في أكثر من عمل إبداعي.

يحضر سي خوان كما يناديه أهل مراكش المغربية، في لحظة يشتبك فيها المعرفي بالأدبي بالإنساني، قابضا على نثارات من أزمان مختلفة تجمّعت في رجلٍ واحد، ينتصر للجمال والحقّ، ويبحث عن ذاته في المدن القديمة، عابرا للقوميات والثقافات ذات البعد الواحد.
غويتسولو اختار منذ ربع قرن مراكش وأصبح واحدا من أهلها (الجزيرة)

في التسجيلي الذي أخرجه منتصر مرعي، الروائي هو من يتحدث عن نفسه أمام الكاميرا في بيته المغربي البسيط مسترسلا في سرديّة طويلة، مقطّعة بمشاهد سينمائية وشهادات وصور شارحة، ومستأنِفة لمحطات السردية الطويلة للروائي المعروف، تحضر بهجة الحكي ممتزجا بدفء المكان الذي اختاره المخرج خلفية تندغم بهدوء مع الحديث، لا تبذل الكاميرا كثير عناء في تنويع المشاهد، بل تكتفي بمشهدين متماثلين في المكان ذاته، حيث تغمر الإضاءة وسط الصالة في البيت المغربي بنوافذه المشرعة، وأبوابه المفتوحة والأرضية المكسوة بالرخام، وفي حوارية لطيفة بين اللونين الفستقي والعسلي، والمثلثات الزجاجية وأقواس الطين، وأصص الزرع الموزعة بانتظام، مع مشاهد قصيرة وشحيحة في المدينة.

بين الحربين، وفي عام 1931 بالتحديد ولد خوان غويتسولو في برشلونة الكاتالونية المتطلعة إلى الاستقلال الثقافي والسياسي عن الجسد الإسباني، وفي الخامسة من عمره نشبت الحرب الأهلية الإسبانية بين فسطاطي الجمهوريين والقوميين، وقد شهدت إعدام الشاعر لوركا، وانتصار فرانشيسكو فرانكو في النهاية بفضل مساعدة موسوليني وهتلر. كلّ هذا سيؤثر على الكاتب فيتخذ موقفا مناوئا من الوطن والكنيسة التي وقفت إلى جانب فرانكو، ويقرر الرحيل، وقد بدأت موهبته تنمو في أكثر من رواية.

أوّل العشرينيات من عمره وبعد حصوله على جواز سفر اتجه إلى فرنسا، وعرف مجتمع الكتابة في باريس، والتقى أهمّ شخصيتين أثّرتا في مجرى حياته، الفرنسية مونيك لانج التي ستصبح زوجته والكاتب والمفكر جان جينيه، الذي غيّر في نظرته إلى عالم الرواية والتمييز بين النصّ الأدبي الجيّد والنصوص ذات الطبيعة التجارية، فتخلى عن فكرة النجاح الأدبي المرتهن إلى نسبة المبيعات العالية واتجه نحو هدف إنساني بالذهاب إلى "شجرة الأدب" الفكرة التي نبتت في بغداد القرن الثالث الهجري عند أبي تمّام " يؤلف بيننا أدب أقمناه مقام الوالد"، وفي باريس يتعرف الكاتب إلى دار غاليمار الشهيرة التي أتاحت له الاحتكاك بالثقافات الأوروبية المختلفة، وأشرف على نشر أعمال لروائيين إسبان معاصرين منهم كاتالونيون جديرون بالترجمة.

ساحة الفناء دافع عنها غويتسولو ضد زحف العولمة (الجزيرة)
في مدينة الجنّ والملائكة التقى جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وغيرهما من اليساريين المناهضين لفرانكو. وعلى تخوم الوجودية الفرنسية يؤسس غويتسولو لوعي جديد، فقد هجر الوطن المكان إلى الوطن الفكرة، متمردا على المفهوم الفاشي للوطنية "القومي يعتمد على السرد التاريخي لبلاده بما يتضمنه من أساطير وتخيّلات، ولا يرى تعددية العالم". مستعيدا مقولة مواطنه السينمائي السريالي المغترب لويس بونويل "الوطن أمّ الرذائل". وقد عزّز هذا الموقف لديه معيشته في حي ليسونتييه المكتظ بالمهاجرين من إسبانيا  وإيطاليا وأرمينيا  والمغرب وقليل من الفرنسيين، وهناك تعلم دروسا حياتية مكّنته من رؤية ثقافته في ضوء ثقافات أخرى. ومن هنا يرى بؤس الهوية الوطنية الخالصة وفقرها "ليست هناك ثقافات خالصة ومتجانسة، كل ثقافة هي نتاج تأثيرات خارجية تلقتها".

يتجه الحديث نحو علاقة الكاتب بالعرب والثقافة العربية حين يضرب مثالا على الحضارة المزدهرة التي تأخذ من الثقافات الأخرى، كالعربية التي أخذت من الآشورية واليونانية، ومدّت نسغا في وريد الثقافة الإسبانية، فنشطت الترجمة عنها، ولكنها تراجعت بعد محاكم التفتيش وتلاشى دورها في القرن السابع عشر. وفي أكثر من لفتة في الفيلم يبدو هذا الأثر.

يختار سي خوان مراكش وطنا نهائيا قبل عشرين عاما، فيشتري بيتا تراثيا جميلا في حيلة لا شعورية للعودة إلى "أوّل منزل" الذي تركه في برشلونة، ويعيش في إهاب ثقافة جديدة، مدافعا عن ساحة مسجد الفناء أمام زحف العولمة، بإدخالها ضمن محميات التراث العالمي، وكوّن صداقات مع مغاربة وأتقن الحديث بالعامية الدارجة حتى كاد يصبح منهم، واستثمر ذلك في رواياته :" أسابيع الحديقة- الأربعينية - حصار الحصارات" بالحديث عن وقائع من مراكش، أو إدخال بعض المشاهد عنها، بشهادة مترجم أعماله إبراهيم الخطيب. وفي شهادته الإبداعية يعترف بتأثره بالثقافة العربية وبتراثها الصوفي عبر الحلاج، وبألف ليلة وليلة وتقنيات السرد المذهلة والمؤسسة لتقانات الرواية الحديثة.

وفي ختام الفيلم يعرّج المخرج على علاقة الكاتب بالعرب حيث تظهر محبته لأساليبهم في السرد والسجع، وهو يعزو ذلك إلى المؤرخ أمريكو كاسرو الذي أنصف العرب في كتابته تاريخ إسبانيا، مبديا حزنه للقطيعة بين الفصحى والعامية.
الأم (يمين) ومونيك لانج زوجة غويتسولو حاضرتان في معظم كتاباته (الجزيرة)

يرى غويتسولو أن العالم بيت من لا يملك بيتا، وقد احترف التنقّل وامتلك معرفة كبيرة بثقافات الشعوب، فهو مجموع هويات مكونة من فضاءات متعددة، ينتمي إلى برشلونة وباريس وبرلين وطنجة ومراكش، وهذه الهوية تتغير من سنة إلى أخرى كلّما أضاف إلى محطات الرحيل مدينة أخرى.

تقع المرأة في حياة غويتسلو موقعا مؤثرا، وكما في حديثه فلا يجنح إلى ما اشتهر عند الروائيين، إنه يتحدث عن سيدتين أثّرتا في حياته، وكانا مصدرا للكتابة في كثير من رواياته؛ الأمّ التي قتلتها الحرب الأهلية في إسبانيا، ومونيك لانج حبيبته وزوجته التي قضت قبل سنوات قليلة. ففي معظم رواياته يرى أمّه من خلال النساء التي يرسمهنّ في أعماله، أما موت مونيك فقد دفعه للكتابة عن الألم والنسيان.

يظن أنه يحمل في داخله جينات الكتابة، ولا يفلح في أي عمل آخر غير ذلك، وعلى غير المألوف يبدأ النص عند غويتسولو بجُمَل لا بأفكار، وتبدأ ملامح النص بالتشكل تدريجيا، ويعد من أكثر الروائيين الإسبان تجديدا.

متحررا عن كل ما يؤثر على كتابته "لم أكتب يوما لكسب قوتي، بل أكسب قوتي لأستمر في الكتابة" باحثا عن مصدر رزقه في أعمال أخرى كالصحافة والتدريس في الجامعة، لأنه "كاتب أقليات" يبحث عن قراء يعيدون اكتشافه، لا عن أكبر عدد من القراء، هاجس كثير من الكتاب. يريد محاكاة الهولنديين الذين يسرقون كلّ عام مترين من البحر يضيفونها إلى اليابسة.

يتحدث غويتسولو عن رواياته الثلاث عشرة بمحبة، ويسميها حائرا في تفضيل بعضها على بعضها الآخر: "مزايا الطائر المتوحّد" ذات الطابع الصوفي و"مقبرة" بنزوعها نحو الشفهية، و"دون خوليان" المفارقة لتراث السرد الإسباني، و "إسدال الستار" ذات النزعة النفسية التأملية، وبحسب النقاد فهو يتميز عن مواطنيه الإسبان بأنه يستمد من إسبانيا أساطيرها، ولكنه ينتقد هذه الأساطير ويبحث عن ذاته فيها. وأنه استطاع أن ينفتح على العالم.

video

مذكرا بكتابات ماركيز الصحفية وخصوصا عملية كارلوتا، يتحدث غويتسولو عن جانب مهمّ في حياته بتغطيته للكثير من الأحداث الساخنة في العالم، في مرحلة متأخرة من حياته تلبية لهاجس داخله عن صحة الأخبار الواردة والبحث عن الحقيقة، وقد عرف الصراع بين الواجب المهني مع الموقف الإنساني، والكتابة الصحفية مع الكتابة الأدبية فهو يتحرى الوضوح في التقارير الإخبارية، لأنه يتوجه إلى جميع القراء، والذي أفضى إلى خيارات فنيّة تصالح فيها الروائي الستيني مع الصحافي المجتهد ، منتزعا شهادات مؤثرة في البوسنة والهرسك والشيشان وفلسطين، واضعا إصبعه على الحقيقة المسكوت عنها عالميا. منتقلا من نقل الخبر إلى صناعته عند حصار الإسرائيليين للزعيم الراحل ياسر عرفات، بوصفه إنسانا محاصرا لا سياسيا.

لم يتهافت غويتسولو على الجوائز التي سال لها لعاب كثير من المثقفين، فقد رفض أكثر من جائزة، منها جائزة معمر القذافي، ووسام صليب القديس خورخيه الذي عرضه عليه عمدة برشلونة لأنه يحمل من الصلبان ما ينوء بحمله، ووسام الشرف الفرنسي "لأن كل السياسيين الفرنسيين الفائزين بها ساهموا في قتل سكان المستعمرات، وقال "شرف القتلة ليس شرفي".

جدير بالذكر أن الكاتب منح مؤخرا جائزة سيرفانتس، وقبلها بثلاث سنوات جائزة محمود درويش.

المصدر : الجزيرة