عبد الهادي سعدون*

 يأتي هذا الفيلم بعد عام واحد على رحيل مؤلف "مئة عام من العزلة" الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1982 والمعروف بين أصحابه باسم التحبب "غابو"، وهو الاسم ذاته الذي اختاره المخرج الإنجليزي المقيم في مدينة برشلونة الإسبانية جاستن ويستر (Justin Webster) عنوانا لفيلمه التسجيلي الجديد "غابو.. سحرية الواقع" (2015-90 دقيقة) بعد النجاح الكبير الذي حققه فيلمه السابق "سأصبح قتيلا 2014" عن السياسة والمافيات والقتل في غواتيمالا مثالا حيا على ما يجري في أغلب بلدان أميركا اللاتينية.

المعروف عن هذا المخرج ولعه بصنف محدد من الأفلام التسجيلية، وهي تلك التي تبنى على قاعدة روائية، والبحث فيها عن خيط حكائي يقود كاميرا تلتقط التفاصيل من خلال نقاط تقاطع محكمة.

المخرج بهذا يعترف أن كونه روائيا محترفا قد أثر بشكل كبير على طريقة إخراج وكتابة أفلامه التسجيلية، وهذه قد تكون ميزة في حين ونقمة في حين آخر، ومن هنا اهتم كثيرا بصنع فيلم عن ماركيز وعوالمه السحرية لما فيها من طابع حكائي لا ينتهي.

شيء آخر حدد مسار هذا الفيلم وهو ما يعترف به المخرج نفسه بأنه وعلى الرغم من شهرة ماركيز وما كتب وسجّل عنه يعد بالآلاف فإن الحقيقة هي أن عدد الأفلام التسجيلية عنه قليل جدا لا يتعدى أصابع اليد، والسبب هو عزوف الكاتب الكولومبي عن كل ما له علاقة بمسألة المحاورات واللقاءات وبالتالي الرفض التام لأي محاولة تسجيلية في حياته وكتاباته.

ماركيز وضع بلاده التي تنهشها الحرب الأهلية والمخدرات والجريمة في مرتبة تحسدها عليها أكبر دول العالم (الجزيرة)

للمسك بالحكاية كاملة، ينطلق المخرج من الأرشيف الشخصي والعائلي لماركيز وجملة من المقابلات مع أشخاص كان لهم علاقة وثيقة بالكولومبي ذائع الصيت، وكل هذا من خلال خيط يبدأ من سيرة ماركيز الطفل حتى أواخر أيامه، في عزلة شبيهة بعزلة بوينديا بطل روايته المعروفة، وذلك بعد أن دخل في أعوامه الأخيرة في غفوة مرض ألزهايمر وعوالمه الضبابية، تماما كما لو كان قد فقد ذاكرته مثل أبطال قرية ماكوندو ولم يعد على الآخرين المجاورين له في نهايات أيامه سوى تذكيره الدائم بما يجري حوله وتسمية الأشياء بأسمائها.

المخرج جاستن ويستر يعرّف -بصورة دقيقة في فيلم حساس ومدهش ومفاجئ- بما نعرفه وحفظناه عن ظهر قلب.

يبتدئ الفيلم من تساؤل لا مفر منه وهو كيف يمكن لطفل من قرية صغيرة ضائعة في كولومبيا الاستحواذ على قلوب الملايين من البشر من خلال سرد وقائع يعرفها الجميع ولكنه يحورها ويطورها ويلونها بألوانه الخاصة لتصبح ملكا خاصا به وعلما دالا عليه وعلى مملكته السحرية الشاسعة؟

لعل إعجاب المخرج  بالنوبلي الكولومبي وسرعة الإنجاز هما ما جعلا الفيلم أحادي النظرة ولا تقتصر الرؤية إلا على كم وافر من العلاقات الإيجابية، وكأن ماركيز لم يصادف في حياته الطويلة ما يمكن أن يشير إلى خلافات أو فشل أو نقص معين

من هذا الخيط يوصل المخرج أطراف الحكاية بعضها ببعض مرورا بالصبي خلف آثار الجد، وعن الفقر والعنف في شمال كولومبيا مسقط رأس الروائي، ليحوله إلى آمال وقدرة سحرية من خلال العمل الصحفي والسينما والتجديد في خارطة الأدب الأميركي اللاتيني في الستينيات ووصولا إلى دوره الفعال في تحريك الحركة الأدبية والسياسية لبلده وبلدان أخرى، وعلاقاته الواسعة بسياسيين أثروا في القرن العشرين مثل فيديل كاسترو وبيل كلينتون.

 الأديب والسياسي
لقد اشتغل المخرج على إبراز كل تلك الدقائق الصغيرة غير المتداولة عن ماركيز: علاقاته بأصحابه، ودور العائلة والزوجة خصوصا في ترتيب حياته الأدبية، وعن الفهم غير الدقيق والغامض في أحيان كثيرة لعلاقة الأديب والسياسي والتي تجر إلى تهم وتعريفات لا تزال إلى اليوم موضع نقاش وخلاف ما بين مؤيد ومعارض.

الفيلم وإن شاء أن يكون حياديا في الطرح إلا أن المشاهد سيكتشف كل تلك التلميحات الممكنة عن غرائبية حياة غابو نفسها وعلاقته بالسلطة سواء في بلده أو بلدان أخرى، ومع ذلك لم يمنحنا المخرج تلك الحبكة الحكائية التي وعدنا بها ولا تلك الشبيهة بأفلامه الأخرى التي يوصلنا فيها إلى نقطة الفهم التامة.

لعل إعجابه الكبير بالنوبلي الكولومبي وسرعة الإنجاز هما ما جعلا الفيلم أحادي النظرة ولا تقتصر الرؤية إلا على كم وافر من العلاقات الإيجابية، وكأن ماركيز لم يصادف في حياته الطويلة ما يمكن أن يشير إلى خلافات أو فشل أو نقص معين.

نحن إزاء فيلم محكم ومصنوع بدراية، ولكنه مع ذلك لم يخرج عن مفاهيم ما قرأناه عن ماركيز وعوالمه، وكأن المخرج لم يشأ القفز عن الثوابت المعتادة بتناول شخصية غابو، مما ضيع علينا فرصة رؤية وتوثيق تاريخية منفردة عن باقي الأفلام التسجيلية القليلة الأخرى، خاصة أنه قد اشتغل عليه أشهرا قبل موت صاحب "ليس لدى الكولونيل من يراسله"، مما يعني أنه كان في تماس وتواصل مع شخصية عالمية وهي تعاني من المرض وتترقب اللحظة الأخيرة للهروب من ثقل الجسد الفاني.

المخرج جاستن ويستر مولع بالأفلام التسجيلية ذات النفس الروائي (الجزيرة)

مع كل ذلك لا بد من التنويه بقدرة المخرج على الاشتغال على الماضي من خلال ألبومات الصور والفيديوهات العائلية القصيرة والمشاهد الحية لكولومبيا اليوم وبعض المقابلات الموحية وصبها كلها في قالب متكامل لفهم تركيبة عوالم ماركيز وقدراته العجيبة على نقل الواقع المعيش في صور سحرية نقلته إلى مصاف أهم كتاب عصرنا الحالي، ووضعت بلدا صغيرا مهمشا مثل كولومبيا تتآكله الحرب الأهلية والمخدرات والجريمة في مرتبة تحسدها عليها أكبر دول العالم.

كما لا بد لنا من التنويه بحضور صوت الروائي الكولومبي خوان غابرييل باسكث (Gabriel Vásquez) معلقا وساردا لوقائع الفيلم في توافق وتلون وقدرة على الفهم والتواصل بين الأجيال الروائية الماضية والمعاصرة.

فيلم "غابو" يفرد كلماته السحرية لتتحول إلى واقع ملموس لا نهاية ولا حد له.

ـــــــــــــــــــــــ
* كاتب عراقي مقيم في إسبانيا

المصدر : الجزيرة