قيس الزبيدي*

يستخدم مصطلح علم السرد في تصنيف الأحداث المروية إما في الحكاية أو ضد سرد الحكاية، بحيث يكون السرد مستوى إضافيا أو تكون أحداث الحكاية مستوى سرد غير إضافي.

يصف ميرلو بونتي السرد بأنه قص حدث أو أحداث أو خبر أو أخبار، سواء أكانت حقيقية أم من ابتكار الخيال. ويستوجب أي سرد راويا يروي الحكاية وقارئا يقرأ كيف تُروى. ويشكل الراوي أداة تقنية يستخدمها الكاتب قناعا يرتديه ليختفي خلفه.

تعرف الرؤية كخلاصة لمفهوم السرد الشامل ويعرفها جيرالد برنس بأنها زاوية رؤية تعرض وفق منظورها الأحداث والوقائع، وتمثل موقف المؤلف تجاه الحياة والإنسان وتصور بالنتيجة وجهة نظره ورؤيته. ونجد في مجال النقد الروائي الحديث مصطلحات عديدة للرؤية، مثل زاوية رؤية أو وجهة نظر أو موقع، وكلها محكومة بموقع السارد الذي يحدد زاوية الرؤية في سرد الأحداث، ويجعلنا نرى تسلسلها بين هذه الشخصية الروائية أو تلك.

الموضوعي والذاتي
ويخضع برنس سرده إلى طريقتين، إما موضوعية أو ذاتية. في الأولى يكون فيها الراوي مطلعا كليا على أفكار شخصيات حكايته ويسمى السرد الحر المباشر، والثانية يعتمد فيها على ضمير المتكلم الذي يضع نفسه مكان الشخصية الرئيسية أو الثانوية أو يستعين بضمير الغائب ليروي متى وكيف عرف هذا الحدث أو ذاك ويسمى السرد الحر غير المباشر.

الفيلم التسجيلي يؤسس شكله السردي بالبرهنة على حججه اعتمادا على نص تتآلف عناصر سرده من مواضيع مركبة ومقالات بصرية، وثمة في الغالب صوت يصاحب أشياء مصورة في أماكنها الأصلية ويسلط هذا الصوت الضوء عليها من زوايا عديدة

ويمكن بالتالي حصر تقنية السرد المعاصر في أساليب ثلاثة، رؤية من الخلف يكون فيها الراوي عليما يعرف أكثر من الشخصية، ورؤية مصاحبة لا تزيد فيها معرفة السارد عن معرفة الشخصية وتسمى أيضا رؤية مجاورة، ورؤية من الخارج وتكون فيها معرفة السارد أقل من معرفة الشخصية. ومن الجدير بالذكر أن نضيف هنا تقنية المونولوج، وهي على شكل صوت داخلي للشخصية وهي تتحاور مع ذاتها.

يميز المنظر الألماني فرانك ك. شتانتسيل بين الشخص السارد وطريقته ومنظوره: أي العلاقة بين السارد والشخصية الرئيسية وعالم السرد. مما يعني إذن أن السارد يبقى دائما عنصرا تكوينيا لكل محكي. ففي حالة "أنا أحكي حكاية"، يمكن توضيح منظور السرد بسهولة، لأنها تؤكد ذاتية السارد وتحدد موقعه، لأنه لا يعرف كل شيء حول العالم المسرود/ المحكي. بالمقابل يعرف السارد كلي المعرفة كل المعلومات حول العالم المسرود/ المحكي.

السارد في السينما
يجري السرد في الفيلم الروائي خاصة في عالم خيالي، تتضمن مساحة السرد فيه مجموعة دلالات لا يكون مصدرها فقط حقل الأشياء الموجودة في العالم المرئي على الشاشة، إنما هو حقل الأشياء الموجودة في العالم غير المرئي على الشاشة، هنا يسمع مصدر الصوت من داخل الصورة/ المشهد مباشرة كما يمكن أن يسمع مصدره من خارج الصورة/ المشهد بشكل غير مباشر. ويمكن وضع ترسيمة -حسب جيرار جينيه- توضح العلاقة بين موقع السارد وحبكة الحكاية كالتالي:

 * سرد أحداث من الخارج. سرد أحداث من الداخل.

* السارد حاضر في الحدث. البطل يسرد الحكاية. شاهد يروي الحكاية.

* السارد غير حاضر في الحدث. سارد عليم يروي الحكاية. سارد يروي الحكاية من الخارج.

 
أما الفيلم التسجيلي فيؤسس شكله السردي في البرهنة على حججه اعتمادا على نص تتآلف عناصر سرده من مواضيع مركبة ومقالات بصرية، وثمة في الغالب صوت يصاحب أشياء مصورة في أماكنها الأصلية ويسلط هذا الصوت الضوء عليها من زوايا عديدة.

أنواع السينما التسجيلية الأخرى كأفلام سينما الحقيقة أو السينما المباشرة تعتمد في الغالب على تزامن الصوت والصورة في المقابلات وتبتعد عن استعمال الصوت من خارج الصور Voice Over. على هذا يحدث أن نرى مخرج الفيلم يظهر في المشاهد، لأنه يريد أن يحكي الحكاية بنفسه.

لكن في كل الأحوال تبقى إشكالية السرد في الفيلم مركبة، فنحن كمشاهدين يمكن أن نسمع صوتا من خارج الصورة نعرفه ونعرف مصدره أو يمكن أن نسمع صوتا لا نعرفه ولا نعرف حتى مصدره.

دور السارد
يحكي لنا صاحب الصوت كل شيء عما نراه وعما كنا قد عرفناه. وغايته كسارد توجيه الأحداث وترتيب نسق حدوثها في سياق حكاية الفيلم. ونحن من جهتنا نستطيع التكهن أن هذا الصوت أو أصواتا عديدة تقدم الحكاية وأنها في النهاية جميعها هي صوت مؤلف الفيلم ومخرجه، تنوب عنه في السرد.
نتوقف هنا خاصة عند دور السارد في الفيلم الخيالي واللا خيالي وكيف تنتج وجهة نظره من عوامل سردية مختلفة:

تنحصر تقنية السرد المعاصر بأساليب ثلاثة: رؤية عليمة تعرف أكثر من الشخصية، ورؤية مصاحبة لا تزيد فيها معرفة السارد عن معرفة الشخصية ورؤية من الخارج وتكون معرفة السارد أقل من معرفة الشخصية. ويمكن إضافة المونولوج وهو الصوت الداخلي للشخصية
  • سارد كلي المعرفة، يعرف أكثر مما تعرفه شخصيات الحكاية ويعلم كل ما يجري داخل أعماقها.
  • سارد "أنا" ينظم عناصر الحدث من موقعه كشخصية في داخل العالم المسرود.
  • سارد حيادي يسرد من وجهة نظر شخص غائب يعقب على الأحداث وفعل الشخصيات موضوعيا.
  • سارد ينظم عناصر الحدث من وجهة نظر شخص حاضر داخل العالم المسرود ويتدخل في بعض الأحيان في مسار الحبكة وفق ثنائية السبب-النتيجة.

يحدد موقع السارد وجهة نظره في طريقة رسمه لأحداث وشخصيات الحكاية. ويضع الفيلسوف والمحاضر فرانسوا نيني بدوره قائمة، تضم وجهات النظر في الفيلم الروائي/الخيالي أو في التسجيلي/اللا خيالي كالتالي: وجهة نظر المؤلف/المخرج في طريقة تغطية الأحداث بشكل حيادي شامل أو تغطيتها عن طريق استعمال عبارة مقتبسة أو حوار يجري بين اثنين، أو عن طريق وجهة نظر ذاتية لشخصية أو لأحد العاملين في الفيلم، إضافة لوجهات نظر محتملة لا يُحدد مصدرها ولا لمن توجه خطابها، أو لزاوية نظر مهيمنة من الكاميرا يمكنها أيضا سرد الحكاية بصريا من تلقاء نفسها دون أي صوت خارجي يتدخل من خارج الشاشة.

* ناقد عراقي مقيم في ألمانيا

المصدر : الجزيرة