نبيل عجان*

كأنه عالم منسي خارج من غياهب تاريخ البشرية. حين طُرد أب البشرية من الجنة عرف أن عقابه هو العمل لكسب قوته، ولكنه لم يتصور أن العمل قد يكون مضنيا ويتحول إلى لعنة على ذريته.

ثلاثة أفلام أو ثلاث شُرفات في فيلم واحد، لماتيو تورتوني، ونيكولا أنجيلينو وإميلي ن. لوكاس، وأليدا فاني. إنتاج جوليانو جيريلي بالتعاون مع أفلام بابيدوك بدعم من لجنة أفلام تورينو بييمونتي.

أفلام تسجيلية ثلاثة متشابكة لدرجة نشعر كأنها فيلم واحد، اختار مؤلفوها تصويرها بالأسود والأبيض. الموضوع الموحد بينها أو قاسمها المشترك هو العمل، خاصة في الفيلمين الأولين، العمل في أعماق الأرض في الفيلم الأول، وعلى سطح البحر في الفيلم الثاني. أما في الفيلم الثالث فالعمل غائب حاضر، حاضر من خلال عمل الكاهن في هداية البشر، وغائب وراء الشر الآتي من عالم الغيب حسب المعتقدات. تقتصر مهمة الكاهن على تعطيل عمل الشرير الذي تجسده حالات استحواذ هستيرية تسيطر خاصة على بعض النساء.

نياراغوسو في الطريق للحفر في منجم الذهب الذي يغني الآخرين ويزيده فقرا (الجزيرة)

في تنزانيا يعمل الفقير ساعات طوالا ليستخرج من باطن الأرض مادة تزيد من فقره ومعاناته وتغني الآخر، ذاك الغريب البعيد عن العمل. فمنذ عام 2006 تزايد استخراج الذهب من المناجم في تنزانيا بشكل هائل. وغالبا ما جرد عاملو المناجم المحليون من أراضيهم لصالح شركات أجنبية متعددة الجنسيات.

إنها إعادة صوغ للجدلية الهيغيلية بين السيد والعبد في أبشع صورها. الاستغلال جلي، فالذهب المستخرج يذهب للعالم المتحضر، في حين يبقى مصدره يعاني من قسوة العيش. العمل لا يعود بالفائدة لمن يعمل، إلا فتاتا. إنها عودة إلى الرحم ومن ثم ولادة جديدة ليس مكتوبا لها سوى الشقاء.

يخبرنا كهل كيف استخرج في أحد الأيام قطعة ذهب بحجم رأس بشري، كان بإمكانها أن تؤمن له الحياة الرغيدة، ولكن ثمرة عمله يقطفها الآخر، في حين يبقى هو يواصل عمله إلى ما لا نهاية على غرار سيزيف في الأسطورة الإغريقية من دون جدوى.

الضعفاء على الأرض لا يتحكمون بمصيرهم، وحياتهم محكومة بالشقاء. ما الحل؟ كيف يمكن استعادة الفردوس المفقود؟ كيف يمكن النجاة من الجحيم المعاش يوميا؟

الإبحار إلى المجهول
يبدأ الفيلم الثاني مع مبشرين يدعون أهل إحدى القرى الأفريقية الفقيرة للعودة إلى الله. إنها قرية صيادين يبحرون ليلا بحثا عن قوتهم من السمك. يمضون الليل تحت جنح الظلام يمخرون عباب البحر على نور سراج جهزوه قبل إبحارهم، كما جهزوا قاربهم وشباكهم. يعودون عند بزوغ الفجر إلى القرية مع غلتهم، ليكرروا في اليوم الثاني سعيهم على غرار العاملين في مناجم الذهب. ينشدون بتهكم "أفريقيا سيئة ونحن لسنا هنا في فرنسا".

نرى كلبا يتأمل البحر بينما الناس يؤدون أعمالهم اليومية ومن بينهم من يكنس الأرض. في السماء تحلق الطيور بشكل دائري وكأنها تنذر بالمصاب الذي ينتظر هذه القرية الهادئة. تهب عاصفة فيبتلع البحر القارب مع الصيادين على بعد كيلومترات قليلة من الشاطئ. لن يعود القارب أبدا. القدر يضرب دائما على حين غرة من دون تمييز. صور الفيلم بعد أيام قليلة من هذه الفاجعة.

في تنزانيا تنتشر المسيحية والإسلام والهندوسية إلى جانب المعتقدات التقليدية المتأصلة لدى السكان. والمعالجون التقليديون يؤدون دورا هاما لقسم كبير من السكان بطرق أقرب إلى السحر. تخوض الكنيسة الإنجيلية حربا يومية ضد هذه المعتقدات، وتعتبر حربها صراعا بين الخير والشر.

في الحكاية السابقة رأينا مواجهة بين الإنسان الضعيف والبحر الجبار. ويبدأ هذا الفيلم من نقطة نهاية الفيلم السابق، أي على قارب، لكنه هنا ليس قارب صيد بل سفينة تنقل حشودا من الناس وكأننا في يوم الحشر، يتدفقون مسرعين باتجاه المعبد وكأنهم على موعد مع أنفسهم ومع خالقهم.

في تنزانيا يعمل الفقير ساعات طوالا ليستخرج من باطن الأرض مادة تزيد من فقره ومعاناته وتغني الآخر، ذاك الغريب البعيد عن العمل

يتجهون من النور إلى العتمة ثم إلى النور من جديد. في المبنى نرى ستارا وامرأة وعلى بعد خطوات امرأة أخرى تقرأ، وثالثة ملقاة على الأرض دون حراك. وفي المعبد نسمع صوت الكاهن يعظ المؤمنين ويخاطب الرب طالبا منه تدمير الشك وإرشاد الضالين إلى طريق الحق.

اللحظة الأهم في الفيلم هي حين يطرد أحد المعالجين من جسد امرأة شيطانا يسكنها. نتجه إلى الخارج والليل مخيم مع هلال برّاق يتوسط السماء ثم نسمع صوت المؤذن معلنا تغلب الخير على الشر. وينهي المعالج التقليدي عملية الهداية ثم تحتفل الطائفة بانتصار الرب مع حرق أدوات وبيت الشخص الذي اهتدى إلى الحق.

صور هذا الفيلم قبل أسبوع من الاحتفال. تنتهي هذه الحكايات بأصوات تتكلم بلغات مختلفة منها العربية، ثم تظهر على الشاشة أسماء صانعي الفيلم.

عمل جميل ورغم بساطته الظاهرية فهو يحمل العديد من القضايا الإنسانية ويطرح بصورة غير مباشرة العلاقات بين الشمال والجنوب، وكيف أن العالم المتحضر -كما نسميه- لا يكترث بقضايا الشعوب المقهورة، بل إنه يستغلها غالبا.

تمزج حكايات الفيلم الثلاث بين الواقع المرير والحلم البعيد (الجزيرة)

العدالة الإنسانية على كل حال تبقى منقوصة وتسيرها المصالح الفردية والآنية. هل كان هوبس وسبينوزا ونيتشه على حق حين دمجوا ما بين الحق والقوة؟

يقول سبينوزا -على سبيل المثال- إن السمكة الكبيرة لها الحق في ابتلاع السمكة الصغيرة لأنها أقوى منها. الضعفاء على الأرض لا يتحكمون بمصيرهم وحياتهم محكومة بالشقاء. ما الحل؟ كيف يمكن استعادة الفردوس المفقود؟ كيف يمكن النجاة من الجحيم المعاش يوميا؟ ففي المحصلة يفتح العمل في المناجم أو في البحر أحيانا البوابة التي تفضي إلى التهلكة ويبقى الأمل حبيس علبة باندورا.

تمزج هذه الحكايات الثلاث بين الواقع المرير والحلم البعيد، بين الأمور المادية والشؤون الروحانية خاصة في الحكاية الأخيرة. الخلاص يأتي من الإيمان أو ربما من فتحة في السماء ينبعث منها نور الأمل الذي يشع في نهاية هذا الفيلم والذي يمكن أن يرشدنا إلى بر الأمان.
__________________________

* كاتب سوري مقيم في الدوحة

المصدر : الجزيرة