عبدالهادي سعدون*

هذا الفيلم "سلمى" من إنتاج بريطانيا ويعود للعام 2013 ويحمل بصمة المخرجة التسجيلية المعروفة كيم لونجينوتو، وتنقلنا عبره إلى التاميل (جنوب الهند) للتمعن بمحنة النساء وهن في مواجهة التعنت الذكوري والتقاليد الاجتماعية البالية.

الفيلم بعد تنقله في عدة مهرجانات سيحصد أغلب جوائز النقاد والجمهور، ومن بينها جائزة مهرجان شتوتغارت وبرلين والجائزة الأوروبية لحقوق الإنسان.

للمخرجة كيم لونجيليتو أفلام تسجيلية عديدة أخرى، وهي من أهم الأسماء في هذه النوعية من الأفلام وسبق أن قدمت في السنوات الأخيرة أفلاما متميزة حازت على القبول والجوائز المهمة، نذكر منها "طلاق على الطريقة الإيرانية- 1998" بالاشتراك مع زيبا مير حسيني، "شقيقات تبعا للقانون-2005" عن اضطهاد المرأة والأطفال في الكاميرون، حتى "ثورة الساري الوردي- 2010" عن معاناة نساء الهند من طبقة المنبوذين، وغيرها الكثير.

أول صورة تنشر في حوار صحفي أثارت سخطا في قريتها (الجزيرة)

في فيلمها الجديد هذا لا تبتعد كثيرا عن دائرة اهتماماتها الجوهرية، نقل صورة المرأة ومعاناتها في مجتمعات العالم الثالث. تركيزها على ما تتعرض له المرأة في مجتمعات متخلفة، والانتهاكات المتعددة التي تتعرض لها، ليس لسبب معين سوى كونها امرأة في مجتمع يضعها موضعا دونيا.

وإذا كان موضوع فيلم سلمى قد تناولته بصورة عامة في فيلمها السابق "ثورة الساري الوردي" فهي هنا تركز على حالة واحدة بعينها، حالة سلمى الخاصة، وتنطلق منها تحديدا لتبين حالة عامة تنوء تحت ثقلها الكثير من الفتيات المسلمات في التاميل.

سلمى بطلة الفيلم المعنون باسمها تعود من جديد إلى بيت العائلة لتتذكر ما جرى لها آنذاك عندما كانت طفلة صغيرة وصبية. حيث ستجبر فيما بعد على ترك الدراسة وتحجز لسنين طويلة في حجرة معتمة لا صلة لها بالعالم الخارجي غير كُوة ضيقة كانت فتيات العائلة يتصارعن فيما بينهن من لها الحق بالبقاء لصقها. كل ذلك ضمن تقليد اجتماعي كان ولا يزال مستمرا في قريتها وفي قرى عديدة من منطقة جنوب الهند المسلمة، وهذا التقليد المتبع بمثابة ترويض للفتيات بعد أن يدخلن في فترة البلوغ، وفي نظر العوائل قد أصبحن جاهزات للزواج، مما يحد من خروجهن إلى العالم الخارجي إلى أن يجد الأهل أزاوجا لهن.

حالة سلمى لا تختلف عن الأخريات إلا بالإصرار ومجابهة وضعها بشجاعة على مدى سنين طويلة. بعمر خمس سنين تربيها خالتها، لأن أباها يرمي بها خارج البيت ويرفض تربيتها وقد كان ينتظر ابنا بدلا من البنت. ومن ثم بعد وصولها لعمر 13 عاما تقرر العائلة حبسها في حجرة في البيت خمسة أعوام لا تخرج منها حتى توافق على الزواج من رجل اختاروه لها. بعد ذلك يستمر الحبس والإهانة والتهميش في بيت الزوجية حتى عمر 25 عاما.

الزوج اعترف أخيرا بأن زوجته شاعرة موهوبة (الجزيرة)
سلمى المتمردة والرافضة لتلك التقاليد المجحفة تجد عزاءها الوحيد في الكلمات. الكلمات هي المنقذ الوحيد لها. ما تعلمته من المدرسة وهي صغيرة استثمرته في القراءة، وكانت تسعى لقراءة أي شيء يقع بين يديها، في قرية لم تعرف فيها من يقرأ أو من يمتلك أي كتاب. كانت تجمع صفحات الجرائد التي تستخدم في لف البضائع والمشتريات وكذلك البحث في القمامة عن سحر الكلمات المختفية في الأوراق المرمية.

في عمر 13 عاما ستكتب أول قصيدة لها وتتذكر منها بيتا واحدا يقول "أنا هنا أعيش السنوات، ولكنني أودع الحياة". هذا الطوق المنقذ لها (الكلمات والقصائد) سيرافقها في كل الأمكنة، بل سيزداد شعورها ورغبتها بالتعبير عن نفسها بعد انتقالها للعيش مع زوجها. هناك ستحصل خفية على دفاتر صغيرة وقصاصات ورقية تخبئها تحت المخدة وتنتظر نوم الزوج حتى تبدأ كتابة معاناتها. ما أن يعثر الزوج على الدفتر حتى يمزقه ويرميه إلى القمامة ثم تشرع بالبحث عن حل آخر.

دون هوادة ولا نسيان تسطر سلمى كل ما تشعر به وما تعانيه هي والنساء الأخريات. والنقلة الكبرى عندما تبعث عن طريق بيت الجد بقصائد لها إلى صحف ومن ثم إلى إحدى دور النشر دون علم الزوج ولا عائلته، التي تعتبر الأمر عيبا وخروجا على التقاليد المتبعة. أحد الناشرين سيتفاجأ بمستوى القصائد ويقرر نشر كتابها الأول، وهو الكتاب الذي ستليه كتب أخرى ستنشرها في السر، إلى أن أتى اليوم الذي لم يعد السر سرا وكان عليها المجابهة المباشرة مع الزوج والعائلة. كانت تقف بوجههم صامدة حتى وهم يهددونها بالحرق أو القتل. الكلمات تنتصر لسلمى في النهاية، وسلمى تنتصر لكلماتها التي يقرؤها البلد بأكمله.

اليوم تعد سلمى أشهر شاعرات البلاد بلغة التاميل، إضافة لذلك دخلت معترك النشاط الاجتماعي لتحاول من خلال جهودها وجهود آخرين المساهمة بتغيير ذهنية الرجال والنساء في قريتها والقرى الأخرى المجاورة.

عبر هذه التسجيلات التي تتابع ذكرياتها المخرجة لونجينوتو وتنقلنا ومن خلال كاميرا ذكية هادئة ومرهفة في تناول الموضوع دون جرح لأي تقليد أو هجوم غير مبرر. وهي في متابعتها لعودة سلمى للقرية وحديثها مع أفراد عائلتها وعوائل أخرى، إنما أرادت التركيز على الظرف الاجتماعي والفقر والتعنت الديني أحيانا في فرض قوانين قاسية على جزء من مجتمع يعيش ويبني نفسه بصمت وسرية تامة.

الشاعرة سلمى تتوسط المخرجة كيم لونغينوتو والكاتب أوليفر هادليستون (غيتي إيميجز)
لعل جملة خالة سلمى التي تقولها في التعبير عن ابنة شقيقتها بأنها "مرت بمعارك كثيرة وفازت فيها جميعا" ما يلخص حقيقة إصرار البشر في أزمنة الظلم والمعاناة. وهي شهادة تصلح لأي وقت ولأي منطقة تعاني من الأسباب والظواهر نفسها.

سلمى الواثقة رغم الجراح والظلمة التي عاشتها على مدى سنين، تركز على فعل الابتسامة التي تواجهنا بها في كل دقائق الفيلم (بحدود الساعة ونصف الساعة) والتأكيد على قوة الكلمة والآمال التي لا تموت.

* كاتب عراقي مقيم في إسبانيا

المصدر : الجزيرة