زكريا جابر*

في منطقة بانيبات شمال الهند، ثمة شاعرية لا يمكنها إلا أن توثق بالصوت والصورة والكلمة. بغال وحمير وجمال يجرها الشباب، يُحمّلون عليها أطنانا من الملابس المستعملة في الغرب. "جميع الملابس تأتي إلى هنا، أكثرها من الأحجام الكبيرة. أستمتع بخيالي لأسبح في صور لم أرها من قبل، مع أقمشة من الحجم الكبير جدا. ماذا يأكلون في الغرب؟"، تقول إحدى العاملات في معامل إعادة تدوير الثياب في الهند. وأيضا في المشهد نفسه شاحناتٍ وسياراتٍ من الحجم الضخم تسير في خط واحد نحو المعامل في عملية نقل الثياب التي لبسها الأميركيون والأوروبيون.

يستغرب المشاهد للوهلة الأولى أن دولة تعاني من الفقر والبطالة كالهند يمكنها أن تستورد ملابس من خارج حدود بانيبات أو نيودلهي. لكن ما في داخل القصة الحقيقية هو أن تلك العاملات في الهند يستوردن الملابس التي يرميها كل من هم من الطبقة المتوسطة والغنية في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وأوروبا بشكلٍ عام ومجانا. وتلك الأماكن في بانيبات لا يمكننا أن نطلق عليها مصطلح "بالة ألبسة" أي متاجر بيع الألبسة المستعملة، هنا تأخذ العملية إعادة التدوير وليس التجارة بفخامة الألبسة الغربية.
العاملة في إعادة تدوير الملابس "ريشما" تجرب فستانا قبل أن تمزقه إلى خيوط (الجزيرة)

ما يحصل بالفعل في معمل "بانيبات" للألبسة هو إعادة تدوير المستورد وتحويل جميع تلك الأقمشة والثياب إلى خيوط. "كما الإنسان من الأرض وإلى الأرض، الكنزة من المتجر إلى المستهلك ثم إلى معملٍ آخر فقير إلى مستهلكٍ آخر تاجر". بتلك الجملة تُلخص عاملةً في المعمل عملية إعادة تدوير الألبسة في الهند. تحلم العاملات في المعمل بأن يلتقين بالغربيين من أميركيين وأوروبيين، ليعرفن كيف هي أشكالهم.

تسكن "ريشما" في غرفةٍ مستأجرة مع زوجها سائق الشاحنة المتنقل بين جميع أنحاء الهند، من بومباي، وكالكوتا، إلى بانيبات. لم تغادر الهند قط، وتحلم دائما بالسفر. هي نموذج يُمثل الوضع الاجتماعي لمعظم نساء المنطقة، أحلامهن بالسفر والتعرف إلى ما يجهلنه شكلا ومضمونا، وعن يوميات تمزيق الألبسة وإعادتها إلى أصلها من خيط وصوف.

تأخذنا المخرجة ميغنا غوبتا في رحلة مشوقة في أزقة ومعامل إعادة التدوير في الهند، ويعالج هذا الموضوع بطريقة تسجيلية بسيطة دون أن يتكلم أي طرفٍ خارجي. الكاميرا تدور والشخصيات المختصة بالموضوع تتكلم. ترافقها مديرة التصوير سوزان ويليت في الرحلة، وحسبما يبدو أيضا فإن هذه الأخيرة استطاعت أن تلتقط مشاهد جمالية بالإضاءة والتكوين المناسب حتى لو كانت الكاميرا المستعملة لا تُلبي الإنتاج الكبير في عالم التوثيق والتسجيل.

آلاف الأطنان من الألبسة الأوروبية تدخل ماكينات إعادة التدوير (الجزيرة)

الأيدي تتحرك في آلية واحدة. الاستلام من سلال الملابس ثم التنظيم بين الألوان والتمزيق ثم إعادتها إلى أصولها من خيطٍ وصوف، لتعود وتُصَنَّع وتصبح جزءا من خزائن أهالي الغرب كما يسميهم العاملون والعاملات في بانيبات الهندية.

"هذه ثياب النساء الغربيات... هنَّ جميلات فعلا، وأنا أحبهن"، جملة تقولها "ريشما" بينما تبدو عليها ملامح الجدية وهي تؤكد فعلا إعجابها بالنساء الغربيات وجمالهن. لكن ريشما ليست سوى عاملة بمعملٍ في الهند وتحلم بأن تسافر وتلتقي الحضارات التي طالما أرادت أن تراها، وفي الوقت نفسه تعتبر النساء الغربيات الأجمل رغم أنها لم تلتق نساء غير زميلاتها وأخواتها ووالدتها.

الحالة الاجتماعية-الاقتصادية في الهند لا تتحسن لتصل إلى أكثر من العالم الثالث، بل على العكس ومع ارتفاع معدلات الغلاء في العالم، وفي خضم الأزمات الاقتصادية الدولية، ورغم الفقر والبطالة ما زالت منطقة بانيبات تُصدر أكثر من مئة ألف طن من الخيوط والصوف حول العالم بعد إعادة التدوير. في كتش بالهند الغربية، المرافئ تطارد البضائع التي تضيع داخل مناطق توضيبها، منطقة التخليص الجمركي تمتلئ بالملابس المعلمة والمرقمة كي لا يسرقها أحد.

ما يُفرق هذا الفيلم التسجيلي عن غيره من الأفلام التجريبية المنتجة بالقليل -لكن بصورة جميلة- هو بالفعل التعاون والتفاهم بين المخرجة ومديرة التصوير، وذلك أيضا يظهر بشدة حين تمر الكاميرا على الألوان في الملابس التي لكلٍ منها رمزية عاطفية وفي الوقت نفسه يتطور الجدول الزمني في الفيلم بتناسق مع الألوان، على سبيل المثال الأسود يمثل الحزن، والأحمر يمثل الحب، وهذا ما حصل بالضبط، فعندما يتكلمون عن فرحتهم بالعمل يمر اللون الفاتح، وعندما يتكلمون عن الأسى تحل القتامة في الصورة.

مغنا غوبتا تتسلم من بيبو ليانغ جائزة لجنة التحكيم عن فيلمها "الخيوط المفككة" (الجزيرة)

يمر "الخيوط المفككة" في العالم الغربي الأقل تمسكا بملابسه القديمة، وفي رحلة عبر شمال الهند، من البحر إلى الداخل الصناعي، في أكثر بلدة هادئة والمكان الوحيد في العالم الذي يعيد تدوير الملابس إلى خيوط.

ريشما تأخذنا في رحلةٍ ساحرة في المشرق الآسيوي وتدخلنا في فضولٍ مستمر حول أهمية إعادة تدوير الملابس، والاستمتاع بشوق هؤلاء لأن يتعرفن إلى النساء الغربيات ويمارسن يومياتهن.

رغم العرض المحدود للثقافة الغربية، تمكنت ريشما وصديقاتها من تكوين صورة عن هذا الغرب، معقل الدلال والغنى والجمال، وتنهي الفيلم بحلمها الأكبر وهو أن يتمكن ابنها بأخذها لتتقاعد في الغرب. "الخيوط المفككة" صورنا وصور الآخر التي نخترعها نحن، ولم لا؟ ربما نتوهمها.

* صحفي لبناني

المصدر : الجزيرة