حاوره في ستوكهولم/ مهند صلاحات

يرى المخرج والكاتب السينمائي الفلسطيني رشيد مشهراوي، أن الأفلام التي يصنعها الفلسطينيون من خلفيات ثقافية متعددة حول العالم، تجمعها الهوية الثقافية والأحلام المشتركة، وتمنح السينما الفلسطينية امتيازا بأن تكون أكثر تنوعا بمستويات متعددة، لعدم وجود نمط واضح ومحدد لهذه السينما، فهي تأتي من مدارس مختلفة ناتجة عن أن صناعها تعلموا السينما في مدارس مختلفة حول العالم، وهذا التنوع في زوايا الرؤيا ووجهات النظر يغنيها ويشبهها بنفس الوقت.
 
وكان مشهراوي مؤخرا ضيفا على فعاليات مهرجان ستوكهولم للسينما العربية، التي هي جزء من عدة مهرجانات ينظمها مهرجان مالمو للسينما العربية في 13 مدينة سويدية على مدار 12 شهرا، لعرض فلميه الروائي "فلسطين ستيريو" والتسجيلي "رسائل من اليرموك".

يُعتبر مشهراوي من المخرجين الفلسطينيين الأوائل الذين قدموا سينما داخل فلسطين، أو أسسوا للمرحلة الثانية من تاريخ السينما الفلسطينية بحسب ما يقسمها، حيث مرت -بحسبه- في ثلاث مراحل، عايش هو شخصيا مرحلتين منها: المرحلة الأولى التي كانت فيها السينما فلسطينية خارج فلسطين، وكانت تنتجها منظمات سياسية وتحمل الكثير من الشعارات، لأن معظم مخرجيها كانوا يتبعون أحزابا سياسية، وأسس لها مخرجون مهمون مثل مصطفى أبو علي وغيره، وكانت أفلامهم ثورية.

ملصق فيلم "فلسطين ستيريو" التجربة الأخيرة لمشهراوي في السينما الروائية (الجزيرة)
في حين أن تجربة مشهراوي بدأت في الثمانينيات، في المرحلة الثانية، ويصف تلك البدايات بقوله "هكذا كان شكل السينما قبلنا، أنا لم أكن راضيا عنها، أحترمها كسينما وأتفهم الظروف التي أنتجت فيها، لكني بقيت أشعر أنها تفتقد للمعايشة الحقيقية مع الشارع الفلسطيني. لم يكن فيها تفاصيل الحياة اليومية، كان الفلسطيني إما شهيدا أو بطلا أو ضحية".

في هذه المرحلة سيرافق مشهراوي ميشيل خليفي، وهو مخرج فلسطيني من الناصرة يعيش في بلجيكا، أنتج أول فيلم فلسطيني ينتمي للسينما الفلسطينية الحديثة في داخل فلسطين، اسمه "الذاكرة الخصبة" 1980، وقبل الانتفاضة الأولى 1987 كان فيلمه "عرس الجليل".

عمل مشهراوي مع خليفي في "عرس الجليل" مصمما فنيا (Art Designer). بعد ذلك بدأ العمل على أفلامه الخاصة في فلسطين، وبدأت صناعة السينما تحت الاحتلال، وكان أول فيلم له "جواز السفر" ومن ثم "الملجأ" الذي عرض سنة 1987 في مهرجان برلين، والذي عُرف من خلاله كمخرج. أما فيلمه الروائي الأول "تحت إشعار آخر" فقد حاز على جائزة الهرم الذهبي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي السابع عشر، وبعدها عرض في مهرجان "كان" السينمائي وحاز أيضا على جائزة، ومن بعدها عمل العديد من الأفلام الروائية والتسجيلية القصيرة والطويلة.

يراقب مشهراوي المرحلة الثالثة من تاريخ السينما الفلسطينية فيجد أن أهم ما يميزها كثرة المخرجين الشباب، الذين درس بعضهم السينما، وتعرض أفلامهم في العالم من خلال تلفزيونات ومهرجانات، ويحصلون على جوائز، ويعملون بجدٍ على تطوير أدواتهم السينمائية. وأكثر ما يعجبه بهذه المرحلة "أن الفلسطينيين بدؤوا يفكرون سينمائيا، يعملون على فن سينمائي أكثر من كونه رد فعل على ممارسات الاحتلال، بمعنى أن السينما تحولت إلى فعل حقيقي".

يميل مشهراوي -كما يقول- إلى السينما التسجيلية، مشيرا إلى أن نقاد السينما كتبوا عن أفلامه الروائية بأنها تشبه التسجيلية.

أما خياراته بين للروائي والتسجيلي فتحددها ماهية الموضوع نفسه، فالسينما التسجيلية "هي نقل للواقع، أما الروائي فيعطيك مساحة لرأيك الشخصي، ويكون المخرج أكثر قدرة على التحكم في مسارات وحياة وأحداث الشخصيات".

ويستدرك مشهراوي بأن حتى التسجيلي ليس نقلا حرفيا للواقع، "فقرارات المخرج أين يضع الكاميرا وماذا سيظهر بالصورة، يعتبر تدخلا، لأن هنالك ما تريد إظهاره وما تريد إخفاءه، بالتالي أنت كمخرج تضع وجهة نظرك في الفيلم حتى في عملية المونتاج".

"رسائل من اليرموك" آخر الأفلام التسجيلية لرشيد مشهراوي (الجزيرة)

"لا يوجد شيء حيادي بالسينما، لا يمكننا أن نصنع فيلما ونقول هذا هو الواقع من دون تدخل المخرج، يمكن أن نقول إن هذا الواقع كما أراده المخرج أن يظهر، أو هذا الواقع من زاوية ورؤية المخرج".

يبدو التعامل في غرفة المونتاج مع الفيلم التسجيلي أصعب بكثير كما يرى مخرجنا. فالفيلم الروائي يمكن التعامل معه من منطلق أنه مكون من مشاهد محددة ولها أرقام، "وقبل التصوير أعمل على تطوير الحكاية وتطوير الشخصيات وإيقاع الفيلم، على بداية الفيلم ونهايته، وعادة ما أكون مجبرا على أن ألتزم بالمخطط والأجندة والمَشاهد".

أما التسجيلي فالكتابة السينمائية به "لا تكتمل حتى يكتمل تصوير آخر لقطة في الفيلم، وحتى آخر عنصر كموسيقى أو تصحيح بالألوان، والسيناريو بالفيلم التسجيلي يكتب نفسه بنفسه، جزء يكتب قبل التصوير، وعند بدء التصوير تبدأ كتابة جديدة للفيلم، وعند المونتاج تبدأ الكتابة النهائية".

المصدر : الجزيرة