الحبيب ناصري*

لكل عصر عولمته، ولكل عولمة لغة ما تميزها، سواء كانت هذه اللغة ذات حمولة ثقافية أو اقتصادية أو سياسية. عولمة اليوم من الصعب فهمها بمعزل عن لغة الإعلام، وهذه الأخيرة من الصعب أيضا فهمها بمعزل عما نتلقاه يوميا من أخبار، يشكل فيها "فن" الريبورتاج، المادة الأولى في التلقي. فهل من الممكن تأسيس رؤية فنية ما حول هذا الجنس الإعلامي الذي يلج جميع البيوت وبلغات متعددة؟

الريبورتاج هو مجموعة من الأنواع، لكن قصدنا/موضوعنا هنا هو الريبورتاج المحكى بلغة الصورة والصوت، أي ما يسمى في الأدبيات العلمية الإعلامية بالتقرير التلفزيوني، والذي يعتمد أساسا على نقل ومعالجة جزء من آلام/آمال هذه المجتمعات البشرية، المتلقية لهذه المادة السمعية البصرية، والمنفعلة/المتفاعلة معها، وفق رؤاها وتأويلاتها العفوية أو المقصودة. هو فن الحكي إذن، عن الواقع/الخبر، بلغة الصورة والصوت، في مدة زمنية وجيزة.

وفق هذا التعريف الأولي، فهو يندرج ضمن ثقافة الصورة، وبالتالي، يتقاطع ويتداخل مع لغة الفنون المعتمدة على الصورة والصوت، خصوصا لغة السينما بشقيها الروائي والتسجيلي.

دراسات ومقالات عديدة كتبت في مجال الفصل بين الريبورتاج والتسجيلي، لكن هل من الممكن هنا استلهام عناصر"سينماتوغرافية" روائية و/أو تسجيلية ما، لجعل هذا الجنس الإعلامي، الريبورتاج، أكثر فنية وجمالية؟

فوارق وتداخلات
في بعض دراساتنا النقدية المكتوبة، أو من خلال مناقشاتنا الشفهية على هامش مشاهداتنا لبعض الأفلام التسجيلية، عادة، هنا، يثار تداخل الجنسين، أي التسجيلي والريبورتاج. صحيح أن اعتماد الراوي الخارجي في الريبورتاج مكون جوهري وأساسي لنقل الخبر/المعلومة، والتعليق عليها بمقصدية ما ووفق رؤية/خلفية ما. لكن هذا الراوي الخارجي نادى بضرورة "موته" كثير من النقاد والباحثين والمهتمين بمكون الفيلم التسجيلي، وهنا، أي في الريبورتاج، سيجد هذا الراوي حياته الطبيعية والعاديةّ.  ورغم هذا هل من الممكن الحديث عن "مثاقفة" إعلامية فنية داخلية بينهما؟

دراسات ومقالات عديدة كتبت في مجال الفصل بين المكونين، أي بين الريبورتاج والتسجيلي، وجرد العديد من الفوارق والتمييزات بينهما سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الرؤية الفنية... إلخ. لكن هل من الممكن هنا استلهام عناصر "سينماتوغرافية" روائية و/أو تسجيلية ما، لجعل هذا الجنس الإعلامي، الريبورتاج، أكثر فنية وجمالية؟ وهل من الممكن الحديث اليوم عن "مثاقفة" داخلية بين الجنسين، أي بين الريبورتاج والفيلم التسجيلي، نتساءل هنا ونحن نعي أنه من الصعب عدم إيجاد لمسة ما آتية من الريبورتاج في التسجيلي مثل الحوار... إلخ؟

في معظم ما نتلقاه اليوم من مواد إخبارية مصورة يطغى عليه البعد التقريري الإخباري المباشر، مصحوبا بلغة الراوي الخارجي الموجه والراغب في قول "حقيقة" ما، هي في جميع الحالات قد تكون معبرة عن رأي ما. قد نكون معه أو ضده، وفق طبيعة علاقاتنا مع ما يقدم هنا من أخبار، لكن هل من الممكن القول إنه من اللازم، اليوم تقديم مادة إخبارية ما بلغة سمعية بصرية، تساهم وتعطي الحق في تعدد القراءات والدلالات في زمن "الحقوق" وتدفق الصور في وسائط عديدة وعن نفس الخبر؟ 

جدار العنصرية
الأقوى في مادة إخبارية ما قد أتلقاها اليوم، وعلى سبيل المثال، هي الحديث عن جدار العنصرية داخل فلسطين المحتلة، الفاصل بين شعب محتل، ومن يفرض بطشه وبلغة القوة، جدار قد يقدم بصورة سينماتوغرافية دالة، كتبيان الكتابة الرافضة على هذا الجدار وتحويله إلى لوحات تشكيلية معبرة، وتقديم صورة ما عن طائر يمر ويطير في السماء وفق هواه. هنا وفي ظل ثوان معدودة جدا، أتلقى العديد من الرموز الدالة في صورة الطائر في السماء، والمولد لدلالة التضاد بين "المدنس" و"المقدس".. دلالة الحرية الآتية كمعطى طبيعي حتمي، وكيف يسجن الإنسان، و"يسمح" للحيوان بحرية التنقل؟

نفس القوة الدلالية، من الممكن توليدها ونحن في "قمة" الحروب المدمرة للغة الحلم والطمأنينة البشرية، قد نجدها في تقديم مادة إخبارية تتعلق بسوريا أو العراق أو أوكرانيا.. إلخ، لكن عين المصور، قد راحت لتصوير هدم بيت، مسلطا عينه "الصورية" (من الصورة)، على دمية طفلة، وبجانبها كتاب أكلته لغة الحرب والدمار ومصالح الكبار، لكي تجعلنا نتعاطف مع هذه الدمية/الطفلة. وقد تتعمق هذه الوظيفة الممتعة المولدة لفكرة الحق في الحياة/اللعب، حينما تصاحبها أسئلة راو/راوية، تنتصر للطفولة، أو على الأقل، ترك الصورة تقول قولها هنا بلغة زمنية تمدد لقطة الدمية.
إذا كان من الممكن للصورة الإخبارية الاستفادة من لغة السينما في مجال الحروب، فما بالك حينما يتعلق الأمر بمجالات هي أصلا خلقت لتربية الذوق والجمال كمتابعة أمسية شعرية أو مسرحية أو قصصية أو تشكيلية؟

هنا ينجح فن الريبورتاج، بقول "لا" للغة الحرب، ولا سيما أن توظيف لغة ومكونات الطفولة في فن الحكي بجميع حمولاته، قد يكون قادرا على جر الجميع إلى تذكيرنا بأمومتنا، ومن ثم تذكيرنا بلغة البراءة والحلم والعيش الآمن. هنا ينجح فريق الريبورتاج في نحت رسالة فنية وجمالية لا تقل أهمية عما يجري في كتابات/حكايات أخرى، وبألوان مخالفة كالتشكيل والمسرح والرواية والشعر، لكن والوظيفة/المهمة واحدة، هي قول "لا"، للهمجية الحربية والتمسك بالحق في الحياة فوق هذه الأرض التي تسع لنا جميعا.

مثالان حيان، من الممكن تقديمهما هنا كمحتوى وكأمثلة، لطبيعة ما نتلقاه هنا في هذه المادة الإخبارية ذات الحمولة الدالة والمولدة لوظيفة جمالية دالة، حتى ونحن "ننقل" جزءا مما يجري من حروب وتدمير لممتلكات البشرية وفق لعبة يسطرها الكبار.

إذا كان من الممكن للصورة الإخبارية الاستفادة من لغة السينما هنا، وفي مجال يتعلق بالحروب، فما بالك حينما يتعلق الأمر بمجالات هي أصلا خلقت لتربية الذوق والجمال كتغطية أمسية شعرية أو مسرحية أو قصصية أو تشكيلية؟ هنا لا بد من تعميق هذه الرؤية والكتابة بلغة الصورة/الجمال. هذا كله ليس من اليسير تحقيقه، لا سيما حينما لا نملك رؤية مهنية جمالية تنحاز لقيم الإنسان كإنسان؟

لتحقيق وتفعيل ما سبق، وفي اعتقادي المتواضع، لا بد من تشبع من يشتغل في هذا المكون الإعلامي، بلغة المعرفة الفنية والوعي بقيمة الصورة ومدى قدرتها على قول الأشياء بلغة مخالفة وعميقة ودالة.

*ناقد سينمائي مغربي

المصدر : الجزيرة