حميد بن عمره*

حياكة الصوف وحكاية ألوانه المزركشة تبرق لهما العدسة وتستوعب نورهما بفرح. هكذا يبدو فيلم "دمية من الصوف" لمخرجه الإيراني عزة الله برفازي.

فيلم تغار من صوره الماتريوشكا الروسية وباربي الأميركية مثلما تغار دمى الكاراكوز التركية من بطلته الدمية الحية "فاريبا".

إنها قصة فاريبا في بلاد العجائب. توقف نمو أعضائها وهي جنين إثر صدمة اغتيال أخيها، توقف كل نمو في بطن أمها لكن بسمتها لم تتوقف، كما لم يتوقف الحلم في جسدها منذ 27 عاما.

فاريبا تتقن حياكة دمى الصوف وتعيش من إنتاجها الوفير.

فاريبا في العربة تحدد للبائع طلباتها من الصوف والألوان (الجزيرة)

تذهب اللقطات الأولى نحو شخصية تنظر إلى السماء من نافذة سيارة تتوجه لمحطة القطار في قلب المدينة، متبوعة بلقطة متوسطة لامرأة يحاصر "التشادور" الأسود وجهها العاتم. يخالط حضورها صوت غريب النبرة يشكو سجنا وجوديا مرهقا.

يعتقد المشاهد أنه سرد شخصي لهذه المرأة إلى أن تنزل الكاميرا إلى أحضانها فتكشف لنا "فاريبا" ابنتها. هنا كان يمكن إنهاء الفيلم بعد دقائق من بدئه، لأن الحبكة في شكلها هذا تُستعمل غالبا في نهاية الأفلام القصيرة والتي تتعمد المفاجأة كخاتمة لسردها للقصة.

فلماذا يرتدي هذا الفيلم المصنف تسجيليا قناع الفيلم الروائي القصير في جولته الأولى رغم محافظته على الطابع الواقعي للأحداث؟ هل كان مخرجه يبحث عن الضربة القاضية لجمهوره تجنبا لصراع قد لا يخرج منه منتصرا؟

أم أنه بهذه المفاجأة المبكرة كان يريد إيهامنا بأن في جعبته الكثير من المفاجآت إذا تتبعنا فيلمه بتركيز، وأننا سنكافأ كالأطفال المهذبين؟ برفازي يبدو ماهرا في تقديم شخصياته، كأنه يستعير من "كليلة ودمنة" أسلوبا عذبا يدخلنا به إلى عالم، الأفق فيه ليس خطا مستقيما وإنما فضاء واسع.

لأن فاريبا لا تمشي ولا تجلس منذ ولادتها ولا يمكن حتى أن تزحف، فهي إذن ترى العالم من أسفل. إنها تعيش العالم من زاوية سينمائية نصور بها دوما الشخصيات التي نريد التأكيد على ضخامتها. فإذا كان عند فاريبا كل شيء كبيرا، من كوب الشاي إلى كبة الصوف المستعملة في حياكة دُماها فإن مشروع بناء بيت لها يؤوي حلمها يبدو في بالها صغيرا. 

"دمية من الصوف" يذكرنا بأننا ما زلنا نلعب كل يوم بدمى وإن اختلفت في أشكالها وأسمائها عن  دمى فاريبا، دمى لا نصنعها يدويا لكن التلفزيون يتكفل بذلك جيدا، فعلاقتنا بالمذيع وراصد الجو وبطل الكرة ورجل السياسة وعارضة الأزياء كلها علاقات شخصية بدمى نعتقد امتلاكها.
 
فاريبا بين يدي والدها في زيارة تفقدية لبيتها الذي أنشأته بفضل دمى الصوف التي تبيعها (الجزيرة)

فاريبا أكثرنا واقعية حتى في حلمها. فهي لا تلعب بما تحوك بتاتا، بل تبيع منتوجها لهدف واحد: بناء منزلها. إنها لا تبالي بدور المسكينة أو المغضوب عليها ما دامت دُماها تباع في الأسواق.

للفيلم أبعاد تفوق نيته التسجيلية الأولى، لأنه يطرح فكرة الجودة السينمائية وما يحتاجه هذا الفن لتوفر النوعية فيه. فالسينما الجيدة لا تقتصر على جودة الصورة وسلاسة مادتها البصرية الخام لاستعمال المخرج كاميرا من آخر طراز في السوق الحالية. إننا لا نكتسب شاعرية أكثر ولا يزداد نقدنا فصاحة بمجرد استعمالنا لقلم من ذهب.

يضع المصور فاريبا دوما في الركن الأسفل ليمين الإطارعندما يلتف حولها الزبائن، لكنها عندما تكون في حرم دارها فتأطيرها يخالف عكسيا الإطار السابق.
إن تنقل الكاميرا من جهة إلى أخرى في حركة دقيقة المسار يُدخِل فاريبا ومن حولها فن التمثيل حتى وإن لم يكن ذلك مطمحهم. لأن دمية الصوف تعشق الكاميرا وتخجل من إفراطها في الثرثرة التليفونية أمامها، كما أنها تتباهى لمحدثها بوجود طاقم التصوير في بيتها.

فإذا كان الفيلم يملك كل مواصفات الفيلم الروائي فكيف تسرب إلى جدول الأفلام التسجيلية؟

يظهر بيت أبويها كلعبة بين الشجر بسقفه الأحمر كأنه ديكور رسوم متحركة. الأب يحمل على ظهره حطبا، وعلى وجهه صبر لا ينفد. بساعديه قوة طبيعية رغم نظرته المنحنية. الأم  بين أوراق الشجر لا يظهر من وجهها سوى عيون الندم القديم كأنها دودة قز في وليمة. أما الصديقة فتحمل كبات الصوف الملونة مثلما يكتشف الصبي هديته الأولى.

الأم تساعد في تجهيز الصوف الذي سينتهي دمى جميلة على يد فاريبا (الجزيرة)

بهذه الخصائص الروائية يتقدم بنا الفيلم في واقع لا مجال للخيال فيه، لأن كل ما تلتهمه الكاميرا غير مصطنع ولا مكان لأي حضور مبالغ فيه، كأن المخرج وفاريبا كليهما محظوظ بلقاء الآخر.

حياة فاريبا سيناريو مستمر لمسلسل تتجدد أحداثه كل يوم، ولقطات برفازي تختلف كلما اختلف المكان. إن تنقل الأب بابنته في شوارع  المدينة لا يلفت النظر فورا إلا لمن تمعن في عربة الأطفال التي تتنقل فاريبا عليها.

عند بائع الصوف يضع المخرج كاميرته على عتبة الدكان لتختلس العدسة اختيار فاريبا لألوانها دون تردد أو شك في قرارها.

وعندما يلتف الدجاج في مشهد آخر حول الأم مطعمة فراخها نعتقد لحظة أنهم أولادها. لكن عندما تدخل الإطار مجموعة من أعمال فاريبا في تصوير متحرك غير متقن التنفيذ، يختل مستوى الفيلم فنيّا.

لماذا يلجأ المخرج إلى هذا الأسلوب "الكارتوني" في فيلم لا يحتاج أبطاله أية مواساة أو تهذيب في سرد حياتهم؟

فاريبا تعشق النسيج كالعنكبوت كما تعشق الحساب والعدل في الأسعار. تحوك أنواعا شتى من الحيوانات كأنها ابنة ابن المقفع تحاور شخصيات الأب.

تؤكد رفضها للحب الذي تخلى عنها وخانها قبل أن ترى الحياة، لكنها تتفرغ للتدلل والولع بتلميع الأظافر كهواية جدية تمارسها بصحبة رفيقتها. فرغم طابعها الصبياني المرح تُظهر فاريبا قبضة فولاذية في أخذ القرار والتدخل في تفاصيل البناء عندما تتفقد تطور بناء بيتها الجديد.

"دمية من الصوف" يمكن تتبع صوره دون الصوت ودون الموسيقى، لأن مخرجه يملك رؤية واضحة لموضوعه.

عزة الله برفازي يتسلم جائزة المهرجان الذهبية من مصطفى سواق مدير عام شبكة الجزيرة بالوكالة (الجزيرة)
ليس ضروريا أن نحب الفيلم ولا أن نحب فاريبا، لكن لا إلا أن نقدر العمل المتقن المحترم للإنسان وغير المستغل لضعفه. فاريبا درس لأجيال من الشباب المكتوفي الأيدي المتتبع لكل خبر كروي وغير المبالي بأن كل دورة للأرض هي دورة ناقصة من أعمارهم. درس في حب الحياة، لأنها لم تمتنع عن الطعام ولم  تحرق نفسها ولم تركب قوارب الموت ولم تحلم بأوروبا رغم ما يؤهلها لكل هذا.

السينما الإيرانية هذه المرة تظهر بفصاحة تختلف عما نعرفه سابقا من أفلام صمم جلها لجمهور أوروبي.

"دمية من الصوف" لا يمدح ولا يخدع ولا يتوجه إلى جمهور معين، بل يتوجه إلى قلوبنا جميعا ويذكر كل واحد منا كم هو صغير، وكم يمكن للحلم أن يكبر مهما كان المكان والزمان.

* مخرج جزائري مقيم في فرنسا

المصدر : الجزيرة