عيسى الشيخ حسن*

من مساحة خضراء وموسيقى خافتة وتعليق مشوب بحزن آسر ولكنة أفريقانية، تبدأ حكاية صُديق الشاب الأسمر الوسيم، في عمل جادّ وواع بعدسة المخرج الإنكليزي الشاب مايكل إديمي، عمل كان مشروع التخرج بالنسبة إليه.

 يسلّط فيلم "صديق" الفائز بجائزة "أفق جديد" بمهرجان الجزيرة العاشر الضوء على جانب من معاناة المجتمع الإنجليزي المعاصر خاصة في مجتمعات السود، حيث تتصاعد موجات العنف في أوساط الشباب، وتتطوّر إلى جرائم جنائية مختلفة، من خلال فيلم تسجيلي يمتدّ إلى 44 دقيقة ويتحدث عن شاب موهوب في لعبة كرة القدم، ومجتهد في التحصيل الأكاديمي، وقد اتهم بجريمة قتل زميله، فعوقب بالسجن، وانهارت أحلامه وأحلام عائلته.
أديمي مايكل يتسلم جائزته من مدير مركز الجزيرة للتدريب منير الدايمي (الجزيرة)

في مشهد رمزي بارع حين يقف المخرج على خطّ المرمى يحرك الكرة، دون أن تتجاوز الخط  كي تكون هدفا، إشارة إلى أحلام الفتى صُديق التي لم تتحقق، بعد أن يعرض مشهدا صغيرا لصُديق في العام 2008 مع أشبال الفريق الرياضي، حاملا الرقم 7 الرقم الرياضي الأشهر تلك الأيام، نسبة إلى لاعب إنجلترا الأول ديفيد بيكهام قدوة الشباب رياضيا واجتماعيا بأهدافه المشهورة وقصّات شعره المبتكرة، مشكلا مع مايكل فريقا منافسا نال بطولة العقارات السكنية في مدينة صغيرة واقعة جنوب لندن تسمى بيكهام.

كان صُديق يحلم بأن يصبح طبيبا أيضا، وقد اقترب من تحقيق الحلم لولا الحادثة التي غيّرت مجرى حياته، عندما انغمس في حياة الشارع، وبعد خمس سنوات وجد نفسه مدانا بقتل زميله في النادي وصديقه سيلفستر، ومحكوما عليه بالسجن ثلاثين عاما.

في الفيلم تحضر السينما الأميركية السوداء بموضوعاتها الأثيرة: الرياضة والجريمة، ولكنها قراءة مختلفة إلى حدّ ما، بعيدا عن الاستقطاب الحادّ بين عالمي السود والبيض، وبعيدا عن الصخب والإيقاع المتسارع في تلك الأفلام. فنحن هنا أمام رسالة يريد المخرج إيصالها إلى صاحب القرار، لتجفيف منابع العنف.

يقول مايكل إديمي إن غواية الشارع أشد تأثيرا من بهجة اللعب، وإن هيمنة العصابات في مجتمعات القاع، تضيع على المجتمع كثيرا من المواهب والكفاءات، وتدفع بكثير من الأسر إلى حبس أولادها في البيوت تفاديا لمجتمع الشارع الشبابي المتهوّر.

كان صُديق وسلفستر صديقين حميمين، ورفيقين بفريق الكرة والمدرسة، فما الذي دفع صُديق لقتل رفيقه؟ هذا ما دفع المخرج للتركيز على هذه الزاوية، وهو يقرأ رسالة سابقة من صُديق لسلفستر متأثرا إلى حدّ البكاء

وهذا يظهر في تصريحات المخرج بعد فوزه بجائزة غريرسون المرموقة في إنجلترا أن الفيلم يعني الكثير لكثير من الناس، وقبل الجائزة كان الفيلم قد استأثر بنقاشات في البرلمان، بين نواب مدينة بيكهام عن شابين واعدين فقدهما المجتمع. وعن أثر حياة الشوارع، ويرى أن الفيلم صورة مصغرة من القضايا المجتمعية الأوسع في بريطانيا اليوم.

ضعف الاندماج
ورغم الطابع الديكودرامي للفيلم لأنه يتحدث في قضية شخصية، فإن تفكيك المشاهد وقراءتها بإمعان يحيل على أزمة اجتماعية ناتجة عن ضعف الاندماج في مجتمعات دول الاستعمار، وعدم تقبلها للشرائح الاجتماعية القادمة من دول المستعمرات، يظهر ذلك من صورة الحي الذي يقطن فيه صُديق حيث الأبنية المتكدّسة التي تماثل الأبنية الشعبية في بلدان العالم الثالث، وغلبة الوجوه السمراء في الفيلم (لا نشاهد غير اثنين من البيض وهما محاميا الدفاع).

يعتمد الفيلم التسلسل الزمني في سرد الوقائع والتعليق عليها، في خط زمني يبدأ من أشبال الكرة في ملعب معشّب، وينتهي بصُديق الأب لطفلة صغيرة أنجبها من صديقته. يذهب الفيلم من خلالها في اتجاهين، الأول، مشغول بميلودراما اجتهد المخرج من خلالها في استدرار عاطفة المشاهِد في أكثر من مشهد، والثاني يشكّك في نسبة القتل إلى صُديق، دون أن ينفي ذلك، ويُوهم المشاهد بطبيعة الفيلم وهدفه، باقترابه من الحبكة البوليسية في جزء من الفيلم، وذلك لشدّ انتباه المشاهدين، وبثّ الأمل في نفوسهم  في تبرئة صُديق أو نيله عقوبة خفيفة، لكنّ كلّ محاولات المخرج تذهب هباء، فالمحكمة أدانت صُديق، ولم تؤجل قرار الحكم لعدم استيفاء الأدلة.

كان صُديق وسلفستر صديقين حميمين، ورفيقين في فريق الكرة، وفي المدرسة، فما الذي دفع صُديق لقتل رفيقه؟ هذا ما دفع المخرج للتركيز على هذه الزاوية، وهو يقرأ رسالة سابقة من صُديق لسلفستر متأثرا إلى حدّ البكاء، ليقول لنا "ما الدافع إلى أن يقتل المرء أعزّ أصدقائه؟".

وفي كلّ المشاهد التالية كان مايكل يشكّك بفرضية أن يكون صُديق هو القاتل، متأمّلا من خلال سير الأحداث أن تؤجّل المحكمة النطق بالحكم، ريثما يعثرون على الدليل الدامغ، لأنّ صُديق كان واحدا من سبعة متهمين في هذه الجريمة، التي شهدت مشاجرة جماعية في بناء سكني، تطور بينهما إلى إطلاق نار متبادل من الطابقين الرابع والخامس، ولكنّ الأدلة لم تثبت إلاّ على صُديق، مشفوعة بعوامل إدانة، منها شائعات منسوبة إلى سلفستر نشرها في كلية الطب، مفادها أن صُديق ينتمي إلى عصابات، وقد ورد ذلك في مقطع فيديو مصوّر مع أصدقاء يؤدّون أغاني الهيب هوب سيئة السمعة، ممّا وفّر دافع القتل عند صُديق.

video
ورغم تقطيع الحدث الجاري بالتعليقات، إلاّ أنه يشير إلى دوائر العلاقات الاجتماعية المؤثرة في أنماط السلوك خاصة في مجتمعات السود: الأصدقاء، الأم المتديّنة، الأخت، وأبناء العمّ، في حين يغيب الأب في إشارة إلى التفكّك الأسري في المجتمع، بينما تحضر طفلته من صديقته خلال المشهد الأخير في لمسة تفاؤل وأمل، اللمسة ذاتها في ترانيم الأمّ وهي تشكر الربّ وتطلب منه الرحمة.

أحدث الفيلم أثرا كبيرا في مجتمعات السود، ورشّح لمهرجانات سينمائية في أكثر من بلد أفريقي، وفي مهرجان السينما الأفريقية بلندن، في توجه خاص للمخرج مايكل إديمي برفع مستوى الوعي العام لظاهرة العنف المنتشرة في جميع أنحاء بريطانيا، كما يصرّح  بأنّ الفيلم إستراتيجية وقائية الهدف النهائي منها تبصير الشباب بما يمكن أن يحدث لهم، إذا استمروا في تأييد عقلية العصابات.
* كاتب سوري مقيم في قطر

المصدر : الجزيرة