الحبيب ناصري*

  فيلم "عنواني المقهى المجاور" تسجيلي للمخرج الأسعد الحاجي، وسيناريو هاجر بن ناصر والأسعد الحاجي. انتبه الفيلم إلى مكان/فضاء له قيمته الرمزية والاجتماعية، بل والسيكولوجية. من خلاله سنكتشف ما الذي يجري في المقاهي التونسية، في ظل مجموعة من التحولات؟ وهل أصبحت هي العناوين الجديدة في زمن التيه الاجتماعي والنفسي؟

عنوان الفيلم "عنواني المقهى المجاور"، منذ البدء استطاع أن يمارس علينا "سلطته" الفنية الهادمة لقيمة اجتماعية متداولة، وتتعلق بكون العناوين عادة ما ترتبط بالبيوت، لا سيما حينما يتعلق الأمر بقيمة اجتماعية محضة، أي السكن. فالعنوان هنا، كأنه جواب، لسؤال مضمر، ما عنوانك؟ سؤال من الممكن أن يكون قد طرح، على هذا المخاطب و/أو المخاطبة، فكان الجواب: عنواني المقهى المجاور. جواب صيغ بلغة المتكلم، "عنواني"، المتبوع بالمقهى المجاور.

 ربط العنوان في بعده الاجتماعي النفسي هنا بالمقهى، خلخلنا كمتلقين، لا سيما والربط هنا بالمقهى، "اللاعنوان"، المقهى بوصفه مكانا مغلقا، مقابل الخارج كمكان مفتوح.

الفيلم استطاع هدم قيمة اجتماعية تتعلق بارتباط العناوين عادة بالبيوت (الجزيرة)

سوسيولوجيا، المقهى فضاء له خصوصيته الزمنية والاجتماعية، مكان للبوح، وخلق العديد من الانتظارات/الأحلام، كل لحظة احتساء قهوة، مصاحبة بدخان سيجارة يتطاير في السماء، وتأمل في السطح/الأفق، أو الأرض، أو في اتجاه زاوية من زوايا هذا المكان، فهي لحظة أمل بالنسبة لمن يتماهى بالمقهى، بل يصبح هذا المكان، "رؤية" و"نافذة"، منها يطل الجميع.

حكي/حلول، في السياسة والاقتصاد والرياضة وكل شؤون الحياة في ظاهرها وباطنها، حتى إن السؤال العميق يصعد أمامك: ماذا لو لم تكن هذه المقاهي؟

زمن المقهى
زمن المقهى زمن اللاحركة، مقابل زمن الخارج حيث الحركة والتغيير. زمنان متضادان. شخوص الداخل ليست شخوص الخارج. الزمن هنا هو للاسترخاء، والتنكر لزمن الخارج حيث استمرارية "سلطة" الوعي الجماعي، مقابل حضور كمي ونوعي لزمن الأنا، الذي له رغبته في التملص من سيطرة الأول.

رؤية إخراجية واعية بمتناقضات الشخوص، وتمسكها بهذا الفضاء، في غياب الوعي بقيمة التحولات التي تجري خارج المقهى، فثمة من يولد ويموت، وأشياء تبنى وأخرى تهدم.. إلخ، لكن زمن المقهى يبقى هو هو.

ما أقوى تلك الجملة التي قالتها إحدى شخصيات الفيلم، "ما أضيق العيش لولا فسحة المقاهي"، فهل هي صياغة جديدة، للمقولة المربوطة بالأمل؟ وهل هنا المكونان أصبحا يسيران في اتجاه مواز؟ ونقصد هنا توازي المقهى والأمل.

وأنت تستمتع بفكرة هذا الفيلم التسجيلي وتتلصص على هذه الأمكنة التونسية الممتعة والجميلة، لا سيما حينما تتجول بنا عين الكاميرا/المخرج، في شوارع تونس العاصمة بحمولاتها التاريخية والفنية، فسرعان ما نتهاوى إلى عمق الكؤوس التي يحتسيها رواد المقهى، ويتم -وبشكل ناجح- أسرنا من خلال إرجاعنا إلى المقهى، لنتابع ألم/أمل حكي نماذج مختلفة ومتنوعة، بل يتم تجذير هذا الفعل، من خلال سفر تاريخي في زمن ولادة بعض المقاهي الرئيسية ومنذ حقب تاريخية متعددة.

سيميولوجيا الوجوه
سفر وحكي وترحال، وعيون محدقة في قنبلة العصر أي التلفزيون، وإيقاعات ضجيجية لكنها تحمل في طياتها حوارات ونداءات ومواعيد وقضاء حاجات.. إلخ، والتصاق جسدي بالكراسي. كل هذا يوحي فعلا، بأن "عنواني المقهى المجاور"، فيلم استطاع أن يدفعنا إلى خلق نوع من عقد المقارنة بين مقاهينا ومقاهيهم، لنسجل تشابهها المطلق، لا سيما في تقاسيم الوجوه، التي تتحول إلى تجاعيد/نصوص قابلة للفهم والتحليل والتركيب والتأويل، أي للقراءة ككل.

رائحة الحس المغاربي حاضرة بقوة في تشابه الأمكنة والفعل التاريخي، أو ليس المؤرخ الكبير، ابن خلدون، موحدنا وجامعنا في كتاباته؟

سيميولوجيا الوجوه، مصحوبة بإيقاعات موسيقية، وأخرى وليدة ضجيج المقهى، كل هذا يجعلك تتساءل، إلى أين نسير؟ وماذا ننتظر جميعا من زمن آت، فهل المقهى خلاص نهائي وإعلان" للموت" المبكر؟

زمن المقهى زمن اللاحركة مقابل زمن الخارج حيث الحركة والتغيير. زمنان متضادان (الجزيرة)

ماذا لو لم تكن هذه المقاهي؟، بل لماذا العيش أضيق دونها؟ أسئلة عميقة تختزل فعل التاريخ والجغرافيا، بل هي تشخيص لما ينتظرنا جميعا مما يمكن اختزاله هنا في هذه الأسئلة التي تنهض على خلخلة لهذا الواقع وما أصبح ينتجه من نماذج "نمطية" ذوقيا وتكنولوجيا.. إلخ.

هذه ربما رؤية خفية من الممكن أن نمسك ببعض عناصرها في هذا الفيلم التسجيلي التونسي، الذي يرغب في إضاءة جزء مما تعيشه تونس الجميلة. وللتذكير فالفيلم هو من توقيع قناة الجزيرة الوثائقية على مستوى الإنتاج، لسنة 2015.

على الرغم من حكي الفيلم الزمني في مدة زمنية وهي"26"د، لكنه استطاع أن يجرنا لمتابعة تضاريس فضاءات هذه المقاهي وما يجري داخلها، بل استطاع وبلغة التكثيف، أن يموقعنا في عوالم مؤلمة/ممتعة. وتبقى المقاهي فسحة أمل في عالم يتغير بسرعة جنونية، سرعة زمنين متناقضين.

* ناقد مغربي

المصدر : الجزيرة