عبد الهادي سعدون*

يتابع الفيلم عبر شريط تسجيلي حميم وصورة سينمائية معبرة، مجموعة من العمال في المحميات الطبيعية بمدينة قادش الإسبانية وجبل بوهاشم المغربية، بين جنوب إسبانيا من جهة وشمال المغرب من جهة أخرى.

بطلا الفيلم خيرمان الإسباني وإدريس المغربي، كل واحد منهما خبير لأكثر من 20 عاما كرئيس لفريق جمع لحاء شجر الفلين، برفقة مساعدين وعمال لا يقلون عنهما تعلقا وفهما لمهنتهم.

 مجموعة من العمال المغاربة تنقلهم الشاحنة لجمع الفلين (الجزيرة)

يخرج هؤلاء جميعا مع الفجر للوصول إلى المحميات الطبيعية، كل في بلده، تلزمهم في ظرفهم الحالك، المعاول والقوى العضلية، وفي ذهن كل واحد منهم تحصيل أكبر وارد من هذه المادة الصناعية كي يستطيعوا وعوائلهم العيش بكرامة في ظل أزمة اقتصادية طاحنة تضيق عليهم الخناق.

ظروف عمل مجحفة مع عائدات مالية تتضاءل يوما بعد آخر، بسبب من جشع أرباب العمل وعدم نفع الفلين في الصناعة كما كان عليه قبل عشر سنين.

كل هذا مع تقاعس الجهات المسؤولة عن حماية الغابات والأشجار المعمرة وبالتالي نقصانها المتزايد وموتها وتقطيعها غير القانوني لمنافع أخرى.

مخرج الفيلم مانو تريّو باحث بيولوجي سبق أن تطرق لموضوعة فيلم "ارتعاش" في فيلم تسجيلي قصير عام 2012 هو "نحن رجال شجر الفلين". وكان قد أمضى وقتا طويلا بالعيش في الأماكن الطبيعية لها ودراسة أحوال الأشجار المعمرة لما يقرب من خمس سنوات.

مداخلة ثرية
يستغل تريّو هنا خبرته وأرشيفه التسجيلي الكبير عندما اشتغل مصورا محترفا لتوثيق المحميات الطبيعية بين جنوب إسبانيا والمغرب عام 2006، لتكون له القاعدة الأساس للعمل والفكرة الأعمق للاشتغال عليها بإيحائية وقصدية تدركها العين الرائية وتشارك بها الأذن المنصتة للأصوات والأحاديث وهمهمات أشجار الغابات العريقة في مداخلة ثرية بين الإنسان والطبيعة.

عامل إسباني في جمع الفلين. مع العمال المغاربة. الهم والمشاغل والأحلام متقاربة الجزيرة)

في الفيلم بدقائقه التي تقرب من الساعة الواحدة تسجيلات عن حالة محددة وأوضاع بشر في عمل لا يعرفون غيره. ومع ذلك يأخذنا لطريقة عيش وحياة قلما تقربنا منها وفهمنا طبيعتها، ألا هي المناطق الريفية وناسها.

يقول أحد المتحدثين في الفيلم إن المناطق الريفية كانت كالجنة، لأن الجميع يهتم بها، أما اليوم فمهملة وكأنها اختفت فجأة من تقارير أصحاب الشأن ودولهم ومؤسساتهم. لم يعد مهما ما يحيط بهم من بيئة ومحميات ضرورية لإدامة الأرض والعيش والتواصل لقطاع بشري كبير، فالريف وما يحيط به أصبحا من الماضي والقلة منهم من بقي يعتقد بأهمية الأرض والتمسك بها، حتى لو تطلب الأمر العمل كل اليوم وبحاصل قليل.

من خلال تتبع الكاميرا للعمال ومن زوايا ولقطات متقاطعة يجعلنا ندرك حساسية المخرج وخبرته السابقة كمصور مما وظفها هنا خير توظيف.

الطبيعة الخارقة في الغابات والمحميات الطبيعية في كلا الجانبين، ثم التوقف عند البطلة الرئيسية للفيلم وهي شجرة الفلين تتداخل وتتمازج مع أقدار العامل وهو يعاملها بحنو بالغ، رغم أنه ينتزع منها لحاءها. كل ذلك في شبكة قدر موحدة ضمن موشور العدسة السينمائية، بحيث إن نزع لحاء شجر الفلين بكل تلك المهارة والتقنية تتقارب مع تخلي شخوص الفيلم عن حيائهم وتعريهم الرمزي بتخلصهم من ثقل الكلمة المصنوعة للبوح بصفاء عن كل ما يعتمل في داخلهم.

المناظر الطبيعية بحد ذاتها تتشابك إلى درجة أننا لا نعرف في أي جهة نحن في إسبانيا أم المغرب، ولا ندرك ذلك إلا من خلال الرؤية القريبة للعمال ومن اللغة التي يتحدثون بها، وهي من ضمن الإشارات الرمزية للمخرج في التدليل على توحد المصير والرؤية والطبيعة التي لا تفرق بين الحدود ولا الظروف المعيشة. كما لا بد أن ننوه بالموسيقى المرافقة للتصوير بقدرتها الكبيرة على التعبير والمقاربة تماما لقوة التصوير وروعة الطبيعة والشحنات المعبرة للوجوه في أقصى درجاتها.

أحوال وتباينات
حتى وإن شاء المخرج إبراز معضلة بشر يعملون في هذه المهنة بتوحد في المعالجة والمصير، إلا أنه لن يفوتنا الفرق الشاسع بين العمال الإسبان والعمال المغاربة. الفرق في الأدوات المستخدمة والخبرة والمعالجة والظروف العملية. وهي وإن لم نقف عندها طويلا، فهي قائمة ويتم التعليق عليها سواء من هذا الطرف الإسباني أو من ذلك الطرف المغربي، كل حسب ما يراه من نواقص أو ازدهار في عمله.

الاختلاف والنقد يطول الطرفين عندما يوجهان تصوراتهما الواحد عن الآخر. إذ لا فرق بينهما، حتى تكاد تعليقاتهم تتشابه في النبرة والحماس. كل هذا يتم عندما يتبادل المخرج صورا فوتوغرافية صورها بنفسه لكل جماعة، ويوزعها بين عمال الفريق الآخر، ثم يترك كاميراه بينهم وهي تسجل لتعليقاتهم ولنقاشاتهم.


عمال إسبان ينظرون إلى القرية المغربية التي استضافتهم (الجزيرة)
تطفر الفروقات والتناقضات الإنسانية التي لا مفر منها بسبب عدم المعرفة والتجاهل رغم التقارب الجغرافي والمهني. لكنهم عندما يلتقون فيما بعد بزيارة فريق العمل الإسباني إلى المغرب، يدركون أن كل واحد هو محق بتصوراته وطريقته في العمل وظروفه، ويعترف الطرفان أن كل واحد منهما هو خبير في مهنته.

مع تقدم الزمن ومحاولة التقارب بين الفريقين الجارين، سيعلم كل فريق أنهما متشابهان في كل شيء، الظروف نفسها والحاجة للعمل أيضا والروح الإنسانية المتقاربة، غير أن ما يفرقهما هي اللغة وحسب كما يشرح إدريس المغربي، لكنها لا تقف عائقا عندما تتحدث الأصابع الشغيلة والخبرة المتداولة ورفقة الهم والمشاغل والأحلام.

في فيلم ارتعاش ينطلق المخرج من واقع أبطاله، وهو يتقاسم معهم كل يوم بيومه، المعضلات في العمل وما يعترضهم، كذلك التعبير الصادق عما يجول في دواخلهم من كلام عن الأزمة البشرية والاقتصادية، عن ظروف العمل وخشيتهم من المستقبل المجهول وعن فقدهم الأمان بفقد لقمة العيش.

يقارنون حياتهم الريفية بالمدن الكبرى، المدن الموحشة إزاء جمالية وإنسانية عالمهم حتى لو كان قاسيا عليهم، فهم يحبونه لأنهم يشعرون بكونهم أبناء حقيقيين له، ولأنهم لم ينسوا قط أنهم هم الطبيعة نفسها بلا أي تزويق أو إضافة.

*كاتب عراقي مقيم في إسبانيا

المصدر : الجزيرة