عبدالهادي سعدون*

 
في مشفى لعلاج الأطفال المصابين باللوكيميا (سرطان الدم) يسمى لاماسكوتا في عاصمة نيكاراغوا ماناغوا، تدور أحداث الفيلم التسجيلي "تعجبني القصائد وتعجبني الحياة"، الفيلم النبيل والموجع في آن واحد.

على مدى 52 دقيقة في مشاهد هادئة ومقابلات مباشرة مع أفراد من عوائلهم ومع الأطباء والمشرفين، والأهم من هذا مع مجموعة من شعراء البلاد يراقبون عن قرب أحاسيس وأفكار الأطفال المرضى وهم يمسكون بخيط مرضهم ويحيلونه إلى كلمات منسقة شعريا لتوصيف رغباتهم وحالاتهم المرَضية وأحلامهم الصغيرة بحجم أجسادهم وأعمارهم.
 
الشاعر النيكاراغوي أرنستو كاردينال يتصفح قصائد الأطفال وإلى يمينه الشاعرة كلاريبيل الغريا (الجزيرة)

لقد وجد دانييل رودريغث مويا  وأوليسيس خوارث بولانكو وهما مخرجا الفيلم عبر هذه الحوارات والمشاهد ما يمكن أن نعتبره فيلما تقريريا عن حالة مؤلمة لأوضاع أطفال مرضى، وكيف تتحول إلى نوع من القوة والرغبة في الحياة في قلوبهم. الكلمات التي تتحول إلى جمل شعرية تعبر حدود المشفى لتشكل واقعة فريدة في التعامل مع حب الحياة عبر القصائد.

العنوان "تعجبني القصائد وتعجبني الحياة" مأخوذ من قصيدة لأحد الأطفال، يقول في مقاطعها الأخيرة: "يعجبني أن أضحك، يعجبني ألا أتحدث كثيرا، تعجبني القصائد وممازحة الأطفال وتعجبني الحياة".

وفيها يلخص محتوى الحياة القصيرة التي عاشها أولئك الأطفال، والتي يسير في منوالها العديد منهم، وهي ظاهرة ملفتة للنظر، إذ إن نسبة الموت في هذه المدينة تفوق غيرها من المدن.

ورشة أرنستو كاردينال
أحد الأطباء في المشفى، وله علاقة بالشعر، فكر في أن أفضل طريقة لإحياء روح هؤلاء الصغار هي الكلمة الشعرية، فكان أن طلب التوسط من إحدى العائلات القريبة من الشاعر الكبير أرنستو كاردينال ليطلب منه أن يدير ورشة شعرية خاصة للأطفال في المشفى، ليعبروا عن مشاعرهم وفهمهم للحياة والشعر وعلاقتهم بهذا المرض القاتل الذي يفتك بأجسادهم البريئة، ورشة تضم كاردينال وشعراء آخرين مثل كلاريبيل الغريا.

يقول الطبيب الشاعر إن العديد منا يعتقد خطأ أن الأطفال لا يدركون مرضهم ولا يعرفون على وجه اليقين ماذا يحصل لهم، ولكننا نفاجأ بحالات لا توصف من الفهم والمقاومة، والأطفال عموما وهم في حالتهم هذه إنما في الحقيقة يعلمون الآباء ويعلموننا جميعا جدوى الحياة وصروف الزمن.

الفيلم يؤكد العلاقة التضامنية بين المجتمع ككل مع الأطفال المرضى، تلك العلاقة القريبة التي تكشف عن هدفها بمحاربة كل نوع من الإحباط الذي يؤدي إلى الخضوع الكلي لشبح الموت. يعترف أرنستو كاردينال بأن الأطفال عموما لديهم القدرة العجيبة على تفهم حالتهم وعلى تصور العالم والحياة بشكل خارق لا نرتقي له نحن الكبار، كما أن لهم القدرة والخيال الجامح الذي يساعدهم على تشكيله بالكلمات والأشعار والحكايات.

يذكر كاردينال أيضا أنه لم يتخذ أية طريقة معينة لتوضيح الشعر والكتابة لهم كما يفعل عادة في ورشات أدبية أخرى، بل ترك كل شيء بأيديهم. كان يشاركهم الحديث وقراءة ما كتبوه سابقا ومن ثم يحثهم على الكتابة عن شيء آخر.

بعض الأطفال توفوا بعد إتمام الفيلم التسجيلي بأيام وظلوا متمسكين بخيار الحوار مع الموت، والذين ما زالوا على قيد الحياة يواصلون هذا الحوار رغم أن الموت يحسم أمره تجاه رفاقهم الراحلين من قبل، إنهم يحاولون بالشعر إقناعه بأن ثمة بابا عليه ألا يغلق
الفكرة كما تقول الشاعرة الغريا هي أن يقترب الأطفال من الشعر ومن كتابة الكلمات التي تعجبهم وكأنها لعبة ألوان يختارون منها اللون الذي يرضيهم كي يرسموا بعد ذلك المنظر والصورة والأفكار التي تدور في رؤوسهم الغضة.

اللعب على الحافة
في إيجاز عجيب نستمع لقصيدة طفلة تتحدث فيها عن رحلتها مع المرض، وكيف نقلت إلى هذا المشفى لتتلقى العلاج حتى تشفى وتستطيع العودة إلى بيتها مع عائلتها، وتعاود اللعب بالحجارة وكتابة المزيد من القصائد، إذ تقول "في بلدتي توجد الكثير من الأحجار، بلدتي مصنوعة من الحجارة، وأنا كنت أعتقد أن الانتفاخات التي تظهر على جسدي من الحجارة أيضا، لكن في ما بعد بدأت قدماي بالارتجاف، ولم أعد قادرة على اللعب بالحجارة".

إنها فكرة اللعب بالكلمات المشجعة على إطالة رمق الحياة بألسنة أطفال على حافة الموت، بعض الأطفال توفوا بعد إتمام الفيلم التسجيلي بأيام، وظلوا متمسكين بخيار الحوار مع الموت، والذين ما زالوا على قيد الحياة يواصلون هذا الحوار رغم أن الموت يحسم أمره تجاه رفاقهم الراحلين من قبل. إنهم يحاولون بالشعر إقناعه بأن ثمة بابا عليه ألا يغلق.
من هذه الورشة وغيرها أصدر كتابان بأشعار الصغار، وفي الطريق كتاب ثالث يضم كل ما جالت فيه خواطرهم ورؤيتهم عن العالم الذي يحيطهم وعما يدور في رؤوسهم عن الحياة والمرض والآخرين. والقصائد كما نستمع لها ويفسرها المشاركون في الورشة أو من خارجها، ليست قصائد مألوفة، ولكنها كلمات وتعابير عفوية طازجة، والأهم من كل هذا معبرة ودافئة تكشف لنا عبرها كائنات صغيرة محملة بالأسى والآمال الكبيرة.

 جسد الفيلم بحساسية وذكاء مفرط كل تلك الخيوط التي تربطنا مع الحياة (الجزيرة)
هنا قصيدة لا يمكن أن تكون إلا بهذا الوصف، وهي لطفلة أخرى تفسر سر تساقط شعرها وعلاقته بالريح والأشجار العالية التي تحيط المشفى "أسفل أشجار رائعة، نكتب هذه القصائد، ونحن الأطفال نستمتع جدا بها، وفي ساعة الورشة تهب نسمة هواء باردة، أشعر بها منعشة وهي تلامس رأسي الذي بلا شعر".

مويا وزميله أوليسيس حاولا عبر هذا الفيلم نقل صورة واقعية لكن دون تطرف، تحيي العلاقة البشرية مع سحر الكلمات دون الوقوع في دائرة المأساة الحتمية لواقع المرض الشرس الذي ينهش أجساد الأطفال. لقد جسّد الفيلم بحساسية وذكاء مفرط كل تلك الخيوط التي تربطنا مع الحياة ونحن ننظر لها من خلال عيون تسعى لتجاوز حالتها والحلم بالانطلاق خلف الكلمات المعبرة والإمساك بخيطها المُنجي.

واحدة من القصائد بعنوان "لا" لطفل توفي متأثرا بالمرض يقول فيها "لا يعجبني هذا المشفى، لا تعجبني الأدوية، لا يعجبني الطعام ولا المناظر التي أراها من نافذة غرفتي، لا يعجبني الحر الشديد، ولكن يعجبني أن أعيش". الفيلم بمشاهده وحواراته وترديده القصائد جعلنا مثل هذا الطفل نشعر بالحياة وحبنا لها والتمسك بكل شيء جميل فيها على الرغم من الأوجاع والمتاعب.

* كاتب عراقي مقيم في إسبانيا

المصدر : الجزيرة