راشد عيسى*

تبدأ أسئلة الفيلم التسجيلي "السلحفاة التي فقدت درعها" (٢٠١٢- 69 دقيقة)(الجائزة الذهبية للدورة التاسعة لمهرجان الجزيرة الدولي للأفلام التسجيلية ٢٠١٣وجائزة المهر العربي لمهرجان دبي السينمائي ٢٠١٢) في رأس طفلة لا تلوي إلا على اثني عشر عاما، هي مخرجة الفيلم ذاتها (الألمانية من أب فلسطيني وأم ألمانية) باري القلقيلي (١٩٨٢)، حين وجدت نفسها في طفولة مبكرة أمام أب لا تعرفه، لا تعرف لغته، ولا تفهم غيابه واهتمامه بقضية اسمها فلسطين.

موسى القلقيلي في رحلته الأوديسية.. الحلم والخيبة العارمان (الجزيرة)

"كيف يتعامل الطفل مع قصص والديه؟ يستمع إليها؟ يقفز عنها؟ يلقيها بعيدا؟ يعثر عليها من جديد؟". هذا ما ترويه المخرجة عن الطفلة التي كانت، والتي تتفجر عندها الأسئلة، بالذات حينما يغادر والدها إلى فلسطين ويعود بعد سنوات، منهك العظام، ليسكن قبو البيت، متراجعا إلى قوقعته".

لكن الفيلم لا يعود إلى الطفولة، بل يروي اللحظة الراهنة، حيث تتطلع الشابة باري إلى فهم أبيها وقضيته، وإلى فهم إشكالات العلاقة بينهما. علاقة يمكن اعتبارها نمطا شائعا للعلاقة بين الأجيال الجديدة من المهاجرين مع آبائهم في المنفى الأوروبي، حيث يجد الأبناء أنفسهم منتمين إلى ثقافة مختلفة، وفي قطيعة مع ثقافة الآباء.

يعرض الفيلم، عبر نتف من حوارات مع الأب، ومقابلات مع عائلته في فلسطين، مبثوثة هنا وهناك، سيرة الأب موسى القلقيلي حين قدم لاجئا إلى ألمانيا العام ١٩٦٤، فتزوج من سيدة ألمانية (والدة باري)، لكنه لا يلبث أن ينخرط في صفوف الشيوعيين. يسافر إلى سوريا ليخوض دورات تدريبية تهيئه للدفاع عن قضية فلسطين.

القلقيلي الأب يحرم من زيارة فلسطين بفيزا إسرائيلية إثر مخالفة، يلقيه الاسرائيليون لأربع وعشرين ساعة في سجن مطار تل ابيب ثم يعيدونه إلى برلين، فيحاول مرة تلو المرة عبر معابر أخرى، إلى غزة، والضفة الغربية، ملاقيا عقبات صعبة.

كاميرا الفيلم تتجول بين "غرفة التحقيق" العزلاء، وتبدو هي الأساس في بنية العمل، حيث يتأسس بعض المشاهد انطلاقا من حوارية تجري في تلك الغرفة، منها نذهب إلى مشاهد صور معظمها في الطريق إلى فلسطين.

يبدو الأب بسيطا في تعامله مع الناس في الطريق، فرحا أحيانا بشكل طفولي. إلى جانب المقابلات مع الأقارب في فلسطين هناك بعض مشاهد لبيت الأسرة البرليني. هناك صور فائضة عن حاجة الفيلم، قد تكون تفسيرية فقط لكلام لا يحتاج إلى تفسير، مثلما يحدث حين تذكر شقيقة موسى نشاطه الجسماني في الطفولة فتكون الصورة التالية مشهد له وهو يزيل الثلج حول بيته في برلين.

قلقيلية الخلاص
في العام ١٩٩٤ يسافر الأب فيشتري بيتا في قلقيلية (في الضفة الغربية) يستثمره كألماني، لكن إثر الانتفاضة الثانية (العام ٢٠٠٠) وما نتج عنها من بناء الجدار العازل الذي جاء قريبا من منزله، طُرد القليقيلي من مدينته الأحب ليعود من جديد إلى برلين.

باري قلقيلي تتسلم الجائزة الذهبية في الدورة التاسعة من مهرجان الجزيرة (الجزيرة)

يختار القلقيلي تلك المدينة بملء إرادته، رغم أن مسقط رأسه في صحراء بئر السبع. حين تسأله ابنته يقول إن قلقيلية هي مسقط رأس أبيه وجد جده. إنه البحث عن الجذور إذاً، كأنما كل حومان الرجل ودأبه وانشغاله مكرس لتلك البقعة من الأرض.

في آخر الفيلم يدور حديث بين موسى القلقيلي وجاره في مهرجان خطابي في برلين، يسأل القلقيلي جاره "من أين أنت؟"، يجيب الرجل، ولكنه لا يرد السؤال للقلقيلي، لكن الأخير يجيب من تلقاء نفسه، بفرح طفولي: "أنا من قلقيلية"، حتى ليبدو وكأن العبارة هي خلاصة الرجل، وخلاصه.

قد تبدو حكاية الفيلم مكتملة عند هذا الحد، وفيها كل عناصر الحكاية التقليدية، حيث يعرض رحلة القلقيلي الأوديسية تجاه وطنه، ومن ثم خيبته وعودته إلى برلين منكفئا، يائسا، بلا درع، مثل حيوان جريح، كما تقول ابنته. غير أن ذكاء الفيلم أضاف بعدا أغنى المشهد بصور، ومعان أبعد من نوستالجيا الجذور.

منذ بداية الفيلم تعرض صورة لبيت العائلة البرليني، فيبدو في المشهد طابقان، شباكان مضيئان في عتمة المكان، في الأعلى تسكن الأم، الألمانية، وفي الطابق الأسفل يسكن الأب، الفلسطيني. هنا لم ترد المخرجة أن تتدخل بتفاصيل الحياة الزوجية، لكنها وظفتها في إطار دلالي. فأمها هي الزوجة الشقراء، التي لا توقفها الحواجز، لأنها ليست مسلمة، ولا آسيوية، ولا عربية، ولا فلسطينية، كما يقول الأب. صارت الزوجة هنا رمزا لثقافة أخرى عدوة متعالية. يقول القلقيلي عن ألمانيا "هذا بلد معاد لي، هم يعملون مع الإسرائيليين، لا فرق بالنسبة لي بين إسرائيل وألمانيا، أحدهم يطلق الرصاص، والآخر يبيعه الرصاص".

قسوة المبدع
تقول المخرجة عن أمها "في البداية لم ترغب في الظهور في الفيلم لأنها اعتقدت أنه يعالج قصة أبي وحده. لكنني صممت على أن تشارك ولو في الخلفية: فتح الباب، التدخين، تنظيف البيت". لكن المخرجة تقصدت عرض هذا التوازي بين حركة الأم في الأعلى والأب في الأسفل، مع حركة متعارضة إلى حد ما، دائماً يمشيان باتجاهين متعاكسين. لا يمكن أن يكون ذلك بريئا، إنها قسوة المبدع الذي لم يرد أن يرحم أو يتعاطف مع شخصية قريبة إلى هذا الحد.

يحسب للمخرجة بالطبع هذه المسافة القاسية التي تقصدت البقاء فيها تجاه الأب والأم. المخرجة تأخذ أباها إلى غرفة عزلاء إلا من مصباح كهربائي معلق، كما لو أنه في غرفة التحقيق، كل الحكاية ستحكى هناك. تسأله البنت فيجيب. لا تخلو وضعية البنت تجاه أبيها من نبرة محايدة، كيف لا وهي تصنف نفسها مع الشقراوات الثلاث، شقيقاتها، اللواتي يمثلن، إلى جانب الأم، تلك الثقافة الأخرى. غير أنه الحياد الموظف في خدمه حكاية الفيلم.

video

لكن لا بد أن يفلت شيء من حنان البنت تجاه أبيها. مرة في مشهدها وهي نائمة على كتفه في الطريق، مرة وهو نائم رأسه باتجاهها فيما تحاول أن تسند رأسه بشالها، وأخرى حين تعترف "عندما كنت صغيرة كنت أشعر دائماً أنني بحاجة لأن أحمي والدي، أحميه من الأشرار الألمان الذين يتعاملون معه بشكل سيئ لأنه أجنبي، أحميه من الإسرائيليين الذين طردوه، أحميه من أمي ومن مكنستها الكهربائية تقتحم ما بين رجليه".

كانت تلك إشارات كافية على أن البنت بدأت تستعيد أباها، إلى حد أنها بدأت تتعلم العربية "وأقص مقالات حول فلسطين من الصحف، وذهبتُ إلى مظاهرات ضد الاحتلال الإسرائيلي. في المدرسة كنت أغضب حين يقول المدرسون إن فلسطين لم تكن بلدا". من الواضح إذاً أن خاتمة الفيلم لا تكون عند الرجل الذي نكص يائسا إلى كهفه، بل في تسلم البنت راية أبيها. لا في تعلم العربية وحسب، فالفيلم نفسه هو نوع من الانتماء لقضية الأب.

* كاتب فلسطيني مقيم في فرنسا

المصدر : الجزيرة