عزة سلطان*

تبدو أوضاع اللاجئين متشابهة في كل البلدان: عُزلة في المخيمات، مواد غذائية لا تتناسب مع احتياجات الفرد، السكان الأصليون يرون في اللاجئين منافسين لهم في الحياة، مما يُباعد بينهم.

A disabled Somali refugee in Yemen with slim chances of a decent life (Al Jazeera)

 يؤكد محمد عمر مخرج فيلم "عالقون في اليمن" على هذه المقولة عبر فيلمه الذي يتناول حياة اللاجئين الصوماليين في اليمن، هذا الفيلم الذي عرضه برنامج تحت المجهر على شاشة الجزيرة في 48 دقيقة.

لم يتبن الفيلم وجهة نظر طرف بعينه، فقد جاءت به مقابلات لكل الأطراف، لكنه لا يمكن إلا أن تنحاز للاجئين ليس فقط لبؤس حالهم، ولكن كذلك لتلك الشخصيات التي اختارها المخرج بعناية فائقة، لتصنع حالة من الدراماتيكية المؤثرة.

وبينما يبدأ الفيلم بمحمد أبو بكر لاجئ صومالي قعيد، يحكي معاناته ونرى تفاصيل حياته، يطلب في مقابلته التي تفتتح الفيلم أن يعود إلى بلاده، حتى يمكن لأقاربه أن يدفنوه عند موته.

سيكون المعادل البصري مميزا ويحمل فكرة، إذ تتسع اللقطة وتبعد، ثم تصير لقطة من أعلى حتى يصير اللاجئ مجرد نقطة صغيرة على الأرض.

الهاربون من الصومال
وفي حين تصنف الإحصائيات اليمن ضمن أفقر عشر دول في العالم، سوف نرى عبر الشاشة عشرات الهاربين في هجرة غير نظامية من الصومال وصولا إلى اليمن، ونعرف عبر الإحصائيات أنهم يتجاوزون مئات الألوف منذ اندلاع الحرب الأهلية في الصومال عام 1991.

تنوع المقابلات والتعرف إلى وجهات نظر متباينة من كل الجهات المعنية بشؤون اللاجئين، هي حالة لصنع موضوعية غير حقيقية، تنكشف عند الاقتراب من أحوال اللاجئين ومعاناتهم. يقص أحدهم وهو متعلم ويتقن عدة لغات ما تعرض له حتى يحصل على عمل، وحين تمكن، كان الراتب لا يكفي إلا لدفع السكن ولكي يأكل يذهب إلى إحدى عماته.

الصوماليون اللاجئون في اليمن يسلمهم تجار التهريب البحري إلى العزلة والعذاب (الجزيرة)
ليست هذه هي القصة الوحيدة المؤلمة داخل السياق، كل القصص مؤلمة، حتي تلك المرأة التي هربت إلى اليمن، ولم تستطع تحمل الحياة القاسية، وواصلت هروبها إلى السعودية، عادت مرة أخرى تحتمي ببيتها في الصومال، فقسوة الحياة تزيد مرارة الغربة.

صنوف العذاب ستأتي متنوعة، فهذه راحة شريف أبو بكر لاجئة صومالية، كان زوجها يملك محلا لبيع الذهب في الصومال، قتله اللصوص واغتصبوا ابنتها أمام عينها ومات توأم من أبنائها، وهربت إلى اليمن وتتسول لكي تحيا، تقول إنها تسير مسافات طويلة، وبعد أن ضعف بصرها صارت المسافات أقصر.

لم يخل الفيلم من لقاءات مع المهربين الصوماليين أو اليمنيين، ليكشف عن درب جديد من المهانة، بين مراكب تغرق وأوكار لتعذيب اللاجئين الذي يسعون للمرور إلى الأراضي السعودية ولا يملكون المال.

الحال اليمنية أيضا
ينتقل مخرج الفيلم بتواز ملموس بين أطراف القضية، وتصنع الموسيقى موصلات جيدة في الانتقال من ضيف إلى آخر، لتؤهل المُشاهد لاكتشاف التناقض عبر مقابلات الضيوف وتلك التصريحات التي يدلون بها وبين الحياة الفعلية لمجتمع اللاجئين، وتأتي مقابلات المسؤولين كاشفة ليس فقط سوء وتراجع أوضاع اللاجئين ولكن أيضا سوء الأحوال في اليمن الذي يعاني أيضا.

المعادلات البصرية للمقابلات تساهم في تكثيف حالة القسوة والألم التي يعتمدها المخرج، وقد استخدم اللقطات الفوتوغرافية بحرفية وجاءت متبادلة مع المواد الأرشيفية واللقطات المصورة، بحيث تصنع الصورة حكايات موازية للمقابلات، ولا تكتفي بكونها تُشير إلى الأوضاع أو أنها تشرح ما يأتي على لسان المتحدثين.

لم يستخدم عمر اللقطات الجمالية فيما يُعرف بـbeauty shoots باستثناء موضعين، الأول جاء عقب لقاء محمد أبو بكر، وجاء الثاني في الربع الأخير من الفيلم متمثلا في لقطات للغروب.

عشرات الألوف من العائلات وصلت اليمن منذ اندلاع الحرب الأهلية في الصومال عام 1991 (الجزيرة)
يصنع المخرج دراما تصاعدية في بنائه معتمدا دائرية في السرد حيث يبدأ أحداثه بلقاء مع لاجئ يأمل أن يعود إلى بلاده، ثم لقطات من وصول لاجئين إلى شواطئ اليمن في تعز، واستقبال رجالات الهلال الأحمر لهم، ويمضي في استعراض أحوالهم داخل اليمن، حتى يصل إلى عدد كبير من الجثث التي يتم العثور عليها، والحديث عن مقابر للاجئين صوماليين، يليها وصول لاجئين يرفضون دعوات رجال الهلال الأحمر بالانضمام إليهم، ويواصلون سيرهم على الأقدام نحو الأراضي السعودية، وصولا إلى امرأة صومالية عادت لبلادها مرة أخرى بعد معاناة كلاجئة سواء في اليمن أو السعودية وينتهي الفيلم بمحمد أبو بكر أول شخصيات الفيلم وهو يغني حبا في بلاده.

يخلص الفيلم إلى معادلة معجونة بالعرق والدم والخوف: إن الأوطان طاردة إلى جحيم آخر، غير أن البلاد الجديدة غير رحيمة فيحنّ المطرود نحو المجهول إلى ما تركه خلفه.. كأن حنين الفتى دوما لأول جحيم ألفه.

* كاتبة مصرية

المصدر : الجزيرة