حميد بن عمره* 

للأبواب والنوافذ أطر وإن اختلفت في المحيط، كنافذة القطار والسيارة وكوة الطائرة. كلها مصادر نستوعب من خلالها يوميا أنواعا شتى من الصور المكتظة التي تفرز منها العين أشياء ويغيب عنها الكثير.

في السينما والتلفزيون والحاسوب ثمة شاشة تختلف فيها الصور من حيث المضمون والتأطير. لم تعتمد السينما سابقا بصفة مكثفة على اللقطة الكبيرة، وكان التأطير فيها يتوقف غالبا عند الصدر بسبب حجم الشاشة بالقاعات.

إذا كان الإطار يكشف عن وجه ما من جهة، فهل هو -من جهة أخرى- حجب لأشياء أخرى خارجه؟ (الجزيرة)

بمجيء التلفزيون وصغر شاشته اعتمد الإخراج على اللقطة الكبيرة عيارا يتقرب به إلى الوجوه ويدخل به قلب الحدث بأكثر دقة بالتالي إلى الناس. لكن تنوع المواضيع من الويسترنية والكوميدية إلى الأفلام التاريخية والبوليسية والتسجيلية دفع بالمخرجين لتأطيرها، حسبما تستوجب هذه الأنواع من حركة وفضاء، واضعين بذلك قواعد وأساليب ما زالت متداولة حتى الآن.

فهل استلهم المخرجون هذه الزوايا وهذه المقاييس والعيارات في تشكيل صورهم من الحياة مباشرة، أم أن لأُطر الرسم والنمنمة والفوتوغرافيا تأثيرا غير مباشر في تكوين هذه النماذج التصويرية  المتعددة.

كان محيط الرسوم البدائية على الصخور ممتدا حسب أبعاد الجبل، أما صور العائلات في أوج الفوتوغرافيا فتباهت بأطر مستديرة.

فما المسافة الفاصلة بين أول شعاع دخل غرفة ابن الهيثم السوداء والعدسات المعاصرة؟ ما أبعاد صورة ابن الهيثم وصور مخرجي القرن الحالي؟ ما علاقة أطر الرسومات الأيقونية في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وإطار الأيقونة الدينية في الأسلوب الأرثوذكسي؟

هل يرى الشخص نفسه في إطار مرآته الصباحية مثلما يرى غيره في إطار الفيلم التسجيلي؟ الذي وُلد دون بصر هل يدرك ماهية صورنا وهل لذهنيته إطار تدخل فيه كل هذه التخيلات؟

اللغة الأم
وهل يتفاعل نظر المشاهد في قراءته للصور المستهلكة حسب علاقته باللغة الأم، أم أن استيعاب الصور شيء فطري لا يتأثر بالقراءة من اليمين إلى اليسار أو من أعلى إلى أسفل ولا تدخل هذه العلاقة في فهمه لمحتوى الصور؟

فالجمركي لا ينظر للمسافر كعابر سبيل، بل يدقق في حركاته بشكل يختلف عن دقة طبيب الأسنان في تعامله مع مكونات ابتسامتنا اليومية.

الإطار موضوع سينمائي، مثلما هو موضوع فلسفي وسيكولوجي في آن واحد. إنه موضوع القالب الذي نفرز به جمال وقوة أفكارنا.

فإذا كانت دقة محيط الإطار تعطي للأشياء وجودا لعزلها وجها ما، فهل مجرد هذا العزل كاف لإعطاء هذا الأخير حضورا؟ أم أن الحضور الطبيعي لوجه ما يفرض على المصور تأطيرا معينا؟

إننا لا نصور ما هو مطمح للبصر بل نصور لنرى جيدا ما نشاهد. إن التأطير وضع للحياة تحت المجهر وهو أيضا حب للوجوه. إنه قراءة لحدود الوجه وخريطة شخصيته مثلما تٌقرأ شخصية المار من هرولته ومن اختياله في مشيته في علم الفراسة.

الأبواب والنوافذ أطر نستوعب من خلالها يوميا أنواعا شتى من الصور المكتظة (الجزيرة)

فالإطار، نافذة متعددة الأبعاد. إذا كان التأطير في بداية السينما مجرد وضع للكاميرا ورصد للحياة كما هي بعدسة ثابتة، فهل تنوّع العدسات من العريضة المساحة إلى الطويلة المدى يشبه في تعامله مع الصور تعامل الخطاط مع الحروف في الخط العربي وأنواع الخطوط والأقلام والحبر فيها؟

هل اللقطة الكبيرة وحصرها للوجه تضخيم له أم تقرّب منه؟

هل يحتاج الفيلم التسجيلي الذي يقدس الحياة إلى التخلي عن الإطار الروائي الدقيق حتى لا يشكك في نزاهة محتواه، أم أنه يحتاج للاستحواذ على المشاهد بغية جره إلى غير البصري من الوهلة الأولى؟

إذا كان الإطار تسليط ضوء يكشف عن وجه ما من جهة، فهل هو -من جهة أخرى- حجب لأشياء أخرى تبقى خارجه؟

يختلف الكبير عن الصغير في النظر للأشياء لاختلاف زاوية الطول أو القصر، كما يختلفان عن بعضهما في التأويل والاهتمام لنفس الصورة حسب درجة المعرفة وتناهي حسهما.

فهل كان بيت المتنبي: وتعظم في عين الصغير صغارها/ وتصغر في عين العظيم العظائم، تركيزا على نسبية قراءتنا للأشياء أم أن ذلك تصنيف لمستويات الفهم عند الناس؟

الشاعر والسينما
هل يوجد عند الشعراء دقة في الوصف تماثل دقة الإطار بالسينما؟

عندما يقول إيليا أبو ماضي : وترى الشوك في الورود وتعمى/ أن ترى فوقه الندى إكليلا

هل يصف لنا تشاؤم بعض منا أم أنه في صلب موضوعنا هذا، أي الإطار وخارجه؟ هل المؤثرات الصوتية كنوع الموسيقى وصوت الراوي تضيف لإطار الصورة إطارا ذهنيا؟

عندما نشاهد لقطة عجوز مصحوبة بمقطع عود لمارسيل خليفة، هل يعبّر هذا عن فكرة السن وطول العمر أم يدفع بنا لتخيل شكل العود أو نفكر في التزام العازف سياسيا أم أن كل هذا يتداخل ليكوّن صورة ذات طوابق عدة حسب ثقافتنا الموسيقية في آن واحد؟

إن الأناني لا يرى مما يحيط به إلا إطار صورته الشخصية. فهل نظرة النمل للرمل المحيط به أصدق من نظرة القمر الصناعي للصحراء؟

هل يتفاعل نظر المشاهد في قراءته للصور المستهلكة حسب علاقته باللغة الأم؟ (الجزيرة)
عندما نتأمل تكديس الذاكرة لصور حياتنا ننتبه إلى أنها تصنف ذلك في إطار لا نتحكم في أبعاده. إن الذاكرة وطيدة العلاقة بواقعنا الاجتماعي والسياسي والنفساني وإن حشدها لرصيد الحياة المعيشة يتم من خلال هذا الباب.

في السينما لقطتان بنفس الطول لكن بتأطيرين مختلفين لا تبدوان بنفس الزمن. اللقطة الكبيرة زمانها النفساني أقوى من اللقطة البعيدة لذلك يفرط التلفزيون في استعمال هذا العيار.

في سلم اللقطات، اللقطة الكبيرة عيار بعيد المدى، يصيب المشاهد تقريبا في كل تسديدة يسددها.

* مخرج جزائري مقيم في فرنسا

المصدر : الجزيرة