قيس الزبيدي

يبدو للوهلة الأولى أن مصطلح جنس مصطلح حديث نسبيا في الخطاب النقدي، وأصله من الكلمة اللاتينية "genus" التي كانت تدل في العصر الإغريقي على تلك القصائد المنظومة في بحر معيّن، مثل شعر الرثاء أو الهجاء، وهي للمتتبع تشير إلى "kind" أو "sort" أو "specie" تتولد في بعض الأحوال كأنواع من "genus" و"gignere". والنوع هو مجموعة من الأعمال تختار ويجمع بينها سمات مشتركة.

وجاء في معجم المصطلحات الأدبية من إعداد إبراهيم فتحي (دار شرقيات/القاهرة) أن أصل الكلمة فرنسي ومرادفة للنوع أو الصنف/النمط. والجنس (النوع) الأدبي صنف أو فئة من الإنتاج الفني له شكل معيّن وتقنيات ومواضعات محددة.

يبين الفرنسي الفيلسوف والناقد السينمائي فرانسوا نيني في كتابه "الفيلم التسجيلي وحججه" أن مفردة "تسجيلي" -كما يشير قاموس تأريخ اللغة الفرنسية- مشتقة من كلمة "وثيقة" التي انحدرت عام 1214 من اللاتينية "documentum" بمعنى "مثال، نموذج/موديل، عبرة، تدريس، برهان"، وأن الاسم منحوت من الفعل "docere" "يُعلّم، يُدرّس". واشتق منه كلمة "Doctor" ومذهب أو عقيدة "Doctrine". وأصل المصلح مشتَق من الكلمة الفرنسية "Documentaire" التي تترجَم حرفيًا إلى الكلمة الإنجليزية "Travelogue" التي نشأت في الولايات المتحدة، ومضمونها يعني تجارب الترحال والاستكشاف.

بيل نيكولس:
التعريف الذي قدمه جون غريرسون يبقى الأكثر بساطة وإفادة، ففي جملة واحدة من ثلاث كلمات يتشكل مفتاح الفيلم التسجيلي/الوثائقي.. إنه معالجة خلاقة للواقع

معالجة خلاقة
ويعود الفضل إلى جون غريرسون في إطلاق المصطلح الإنجليزي "documentary" الذي أطلقه على فيلم "موانا" لروبرت فلاهرتي، وعرَّفه حينئذٍ بأنه "معالجة خلاّقة للواقع".

ويرى الشكلاني بوريس إيخينباوم أن في كل نظرية فرضية عملا، تحدد قيمتها بترتيب الوقائع اللازمة وإدراجها في نظام ليس أكثر. ورغم أن أي مصطلح يحدّد، فإن تعريفه بالعلاقة مع الواقعة الأدبية -حسب يوري تنيانوف- يتغير، لأن الواقعة نفسها تتغير.

ما يعنينا في تاريخ السينما التسجيلية اكتشاف أن الشيء نفسه حصل لمصطلح "التسجيلي" ويحصل. ولا شك أن تغيير المصطلح يقود أيضا إلى تغيير مفهومه. وقد سعت جهود مختلفة انطلاقا من مفهوم محدد إلى أن تُغيِّر المصطلح بمفردات أخرى. فمصطلح فيلم-وقائع (Factual-Film) يحمل مفهوما مختلفا عن مصطلح فيلم درامية المواد الراهنة (Film Dramatization of actual material)، وحينما اعتمد ريشارد ميران بارسام مصطلح "الفيلم اللا خيالي" في كتاب "الفيلم اللاخيالي.. تاريخ نقدي" فإنه كان أول من أطلق هذا المصطلح، وهو مفهوم يعارض تلك المفاهيم التي ترى في الفيلم التسجيلي نوعا سينمائيا مميزا، بينما يعده هو جنسا سينمائيا يقابل جنس الفيلم الخيالي.

تسجيلي أم وثائقي؟
نعود إلى إشكالية المصطلح في اللغة العربية: تسجيلي أم وثائقي التي تنعكس أيضا في "موسوعة الشاشة الكبيرة" لمؤلفها إسماعيل بهاء الدين سليمان التي صدرت عام 2012 (مكتبة لبنان/ناشرون). فنراه يميل إلى اعتماد مصطلح وثائقي بدل تسجيلي، خصوصا أنه يجد نقادا وأكاديميين يستخدمون  مصطلح "الوثائقي"، كما تَستخدم مراجع عربية كثيرة مصطلح "تسجيلي" بدلا من "وثائقي"، بينما تستخدم مراجع أخرى المصطلحين بالتبادل.

وهذا حسب المؤلف "خلط بين مفهومَين مختلفين تماما، هما التسجيل (Recording) والتوثيق (Documenting). فالتسجيل من وجْهة نظر صاحب الموسوعة "عملية ميكانيكية بحتة، ينقل خلالها المُسجِّل ما تراه الكاميرا، وحينما تنتهي عملية التسجيل لا ينتهي دور المُسجّل فقط، بل ينتهي أيضا العمل في الفيلم. بمعنى ألا يمر الفيلم بأيّ من مراحل ما بعد عملية الإنتاج، وهو ما ينطبق على ما يُعرف بفيلم التسجيل (Record Film) رغم أنه مصطلح قليل الاستخدام".

في معرض حديثنا عن المصطلح نعود إلى الموسوعة التي -والحق يقال- تشكل مرجعا في العربية شاملا ليس له مثيل، ويصل عدد المصطلحات فيها إلى نحو 13553 مصطلحا. وبهذا يضع المؤلف بين أيدي الباحثين والنقاد ودارسي السينما ومثقفيها موسوعة سينمائية أكاديمية تحوي كل ما يتعلق بالسينما فنّا وصناعة ونظرية وتقنية ومعدات ومدارس.
آيرا كونيغسبرغ يعرف الفيلم التسجيلي بأنه يتعامل مباشرة مع الحقيقة لا مع الخيال، ويحاول نقل الواقع واقعيا بدلا من تقديم نسخة خيالية من الواقع، ويعنى بأناس حقيقيين وأماكن حقيقية وأحداث حقيقية وأنشطة حقيقية

يعود المؤلف إلى أغلب قواميس المصطلحات السينمائية التي صدرت في اللغة الإنجليزية، ويعرض بإسهاب ودقة كيف عُرِّف المصطلح، فقاموس السينمائيين الذي وضعه رالف سنغلتون وجيمس كونراد يعرِّف الفيلم الوثائقي -ونفضل تسمية التسجيلي- بأنه "فيلم ذو أحداث حقيقية، يوثِّق أحداثه بالناس الحقيقيين المشاركين فيه، وليس بالممثلين".

ويقدم ستيف بلاندفورد وجيم هيليير وباري كيث غرانت في قاموس الدراسات السينمائية تعريفا موجزا "الفيلم الوثائقي بشكل عام، هو أيّ عمل سينمائي موضوعه أشخاص أو أحداث أو مواقف توجد خارج العالم الفيلمي، أي توجد في العالم الحقيقي".

تعريفات
قاموس المصطلحات السينمائية يعرف الفيلم التسجيلي بأنه فيلم غير روائي أو غير تخييلي -ونفضِّل تسمية لا خيالي- وأنه عادة يصوَّر خارج الأستوديو، ويَستخدم أناسا حقيقيين لا ممثلين، ويركِّز موضوعيا على قضايا تاريخية أو علمية أو بيئية، ويكون هدفه الأساسي إلقاء الضوء على العالم الذي نعيش فيه وزيادة معرفتنا به وطرْح رؤية ذاتية فيما يتعلق بقضاياه.

في العام 1948 أصدر الاتحاد العالمي للأفلام التسجيلية تعريفا يوضح فيه هذا النوع على أنه "جميع الطرق أو الأساليب الفنية التي تَستخدم شريط السِليولويْد لتسجيل أيّ عنصر من عناصر الواقع، سواء عن طريق التصوير الفعلي أو عن طريق البناء المخلِص والمبرَّر للواقع أو إعادة بناء الواقع. أما صاحب القاموس السينمائي الكامل آيرا كونيغسبرغ فيعرفه بأنه: يتعامل مباشرة مع الحقيقة لا مع الخيال، ويحاول نقل الواقع واقعيا بدلا من تقديم نسخة خيالية من الواقع، ويعنى بأناس حقيقيين وأماكن حقيقية وأحداث حقيقية وأنشطة حقيقية.

منذ بداية نشوء تاريخ الجنس التسجيلي وأنواعه العديدة، بدا من الواضح جوهريا أن مهمة التسجيلي ليست أنْ يستنسخ الواقع (يُسجله) كما هو واقعيا، لأن كل معالجة للواقع بوسائل فيلمية تكثيف وإعادة بناء للواقع ومحاكاته.

واليوم، بعد عقود من الجدل، يقول المُنظِّر والمؤرخ السينمائي بيل نيكولس في كتابه "تقديم الواقع"، إن التعريف الذي قدمه غريرسون يبقى الأكثر بساطة وإفادة، ففي جملة واحدة من ثلاث كلمات يتشكل مفتاح الفيلم التسجيلي/الوثائقي.. إنه: معالجة خلاقة للواقع.

المصدر : الجزيرة