حميد بن عمره

بعيدا عن أفلام بوليود الراقصة وغناء ملكات الجمال الهندية المسوقة عبر الأفلام التجارية. وبعيدا عن أفلام "ساتياجيت ريه" و"مرنال سن" وصالونات موسيقى السيتار. بعيدا عن نكهة المطاعم الهندية بأوروبا. بعيدا، في الهند يوجد رجال لا يحبون الرحم الذي أخرجهم إلى نور الحياة.

بعيدا في وسط الهند بمدينة بوندالخاد الجافة التربة تفقد النساء فيها الحياة لكونهن إناثا. بعيدا في جحيم الجهل تُزوّج البنات في سن دمياتهن ويحرمن من التعليم إذا نجون من القتل المبكر.

بعيدا على متن قطار دُكّت النساء في عرباته كعلب السمك، تركب امرأة (سابمات بال) وأتباعها من الأرامل والمنبوذات في سفر مُزمن للخروج من عالم الظلمات.
إذا كان الفيلم من إنتاج هندي نرويجي دانماركي، فهل يؤثر هذا الدعم المادي الأوروبي في صيغة السرد ورؤية الأحداث؟ هل كان ممكنا لهذه المجموعة وقائدتها بال أن تتوغل في القرى النائية بعدسة تحاكِم وتستقصي تارة وتساند وتواسي تارة أخرى لولا السند الغربي للموضوع؟

يفتح فيلم عصابة غولابي (جائزة مهرجان الجزيرة العاشر- فئة الحريات العامة) للمخرجة الهندية نيشيتا جين صوره بألوان وردية كأنها باقة في ربيع أينعت وروده جمالا لرؤوس صوِّرت من الخلف.

عندما يضع الإطار زواياه على يد تمسك بعصا ثم على وجه شاحب النظر وآخر جفّت فيه الابتسامة والأمل تشعر أنك لن تشاهد قصة غرام أو فيلما عن ديوان الحب في الهند. وتدرك من خلال صوت سامبات بال الممزقة أوتاره أن السفر نحو الجحيم قد بدأ وأنك لن تنجو من مأساة طائفة الداليت المهمشة.. عباد دونما درجة في طبقات الهند الاجتماعية، عباد خارج إطار الحياة.

في قلب الخوف
يدخل الفيلم مباشرة في قلب الخوف. الخوف من الأنثى والخوف من الحب. لأن المرأة بهذا المجتمع لا حق لها أن تحب، ولا أن تملك الأرض، ولا حتى أن تملك حياتها.

غولابي هو اسم جمعية أنشئت عام ٢٠٠٦ وترأسها بال، تضم الجمعية آلاف النساء من اللواتي أزهقت حقوقهن.

يقطع بنا الفيلم مسالك الجمعية ومهالك أفرادها المجني على بعضهن في ظروف لا تحاول الشرطة المحلية تفكيك حبكتها إطلاقا. كأن هذه الجرائم لا يدخل عنفها ضمن القانون الهندي.

القطار والسفر نحو البؤس هما العمود الفقري لملحمة هؤلاء الفقيرات. إن اكتظاظ العربات بهؤلاء النسوة وتكدس وجوههن وقصصهن الواحدة فوق الأخرى يختنق لهن الحلق وتذوي بجوفه كلمات المقال وتنصهر بلون ثيابهن الوردي.

ترتفع أصوات نشيدهن الخافت على أسماء التقنيين وأسماء المنتجين النرويجيين. خرجت أنا من هذا السفر الأليم أستبطن حياتي وأتمعن في واقع النساء بأوروبا ليلوّن الوردي ذاكرتي، ولتقف الوجوه كقبور عارية في ذهني. ثم أدقق في خطوات بال الثابتة فيثبت قلمي معها وأستدرج الفيلم مرة آخرى كأنما أريد تركيبه من جديد.

إذا كان الفيلم من إنتاج هندي نرويجي دانماركي، فهل يؤثر هذا الدعم المادي الأوروبي في صيغة السرد ورؤية الأحداث؟ هل كان ممكنا لهذه المجموعة وقائدتها بال أن تتوغل في القرى النائية بعدسة تحاكِم وتستقصي تارة وتساند وتواسي تارة أخرى لولا السند الغربي للموضوع؟

بعيدا في وسط الهند بمدينة بوندالخاد الجافة التربة تفقد النساء فيها الحياة لكونهن إناثا. بعيدا في جحيم الجهل تُزوّج البنات في سن دمياتهن ويحرمن من التعليم إذا نجون من القتل المبكر

يبدوالفيلم نقابيا وثوريا قبل الغوص في خبايا شخصياته، ليعرب عن إنسانيته وعن تساؤل واحد: لماذا تقتل النساء والفتيات في بلد يملك القنبلة الذرية؟

ذوات الساري
إن علاقة المرأة بالأرض وما تُكسبه الأرض من سلطة يجعل من ذوات الساري الوردي عقبة أمام رجال لا نرى في الفيلم منهم إلا الشرطة والقضاة.

العصي التي تحملها النساء لا تخيف أصحاب الرعب أكثر من خوفهم من إضرابهن عن الطعام ومن العدسة التي لا تكتفي بتسجيل الأحداث بل تتحول إلى محامٍ ودرع منيع لهن.

جماعة غولابي لا تكتفي بمطاردة الجناة بل تدخل الحياة السياسية بترشيح ممثلات لهن في الانتخابات المحلية.

يبدأ التصويت بطابور طويل يذكرنا بطول القطار تنفصل فيه النساء عن الرجال، وينفصل فيه حلمهن عن حلم الرجال ونفهم أن صناديق الاقتراع مغشوشة رغم نجاح بعضهن.

لكن التصويت الأكثر نجاحا هو شهادة الفيلم على حياة بال وجماعتها، لأن الصراع ليس في المحاكم وفي صناديق الاقتراع فقط وإنما في سجلات التاريخ أيضا.

بال درامية في هندامها، تألف العدسة وتستعملها بذكاء كأنها هي مخرجة الشريط وكأن طاقم الفيلم يتحرك بأمرها.

في الفيلم أنين وجروح ورصاص وملامح لرجال بدوا كأشباح لا حول لها ولا قوة أمام طقوس عريقة الجهل وأمام إرادة بال وأمام عدسة المخرجة.
إن علاقة المرأة بالأرض وما تُكسبه الأرض من سلطة يجعل من ذوات الساري الوردي عقبة أمام رجال لا نرى في الفيلم منهم إلا الشرطة والقضاة

في الفيلم تشويق بوليسي وتفتيش واستقصاء لحوادث تبدوعادية في عالم ليس من العادي فيه إلا الشمس والهواء. في الفيلم ليست هناك موسيقى مسيلة للدموع رغم حزن المشاهد ورغم الوجوه القابلة للحزن.
لكننا نسمع الذباب المتناثر في فضاء الجريمة لنشعر بالموت وبتعفن أدمغة الرجال منذ أحقاب.

لكن لماذا يفرض عنوان الفيلم قراءة تجارية باستعماله لاسم "عصابة غولابي Gulabi Gang" عوض مصطلح جماعة؟

إنها مجموعة نساء حافيات الأقدام لا يعرفن حتى سنهن ولا يملكن شهادة لميلادهن، فكيف ينطبق عليهن مصطلح العصابة وهن يقاومن تعصّب المجتمع وما عصيّهن بأيديهن إلا مُتكأ لمسيرة العمر أكثر منها سلاح عصابات خارجة عن القانون.
 
الجماعة والعصابة
هل هذا التحايل في العنوان له مقصود إعلامي غربي الهدف؟

وأنا أحاول الخروج من تساؤلي التسجيلي بقي عالقا بذهني مشهد في بداية الفيلم تدخل فيه بال قرية انحنى فيها الكبير والصغير أمام خُطاها في أصوات نحيلة الكلمات مرتبكة النَفس.

اختفت العدسة وراء بال خوفا من اقتراب الموت، وتنقلت معها بين الجدران لتصل بنا إلى المطبخ الداكن، كي تتسرب عبر وجوه علامات الاستفهام. لكن عندما تلتفت الكاميرا إلى جثة امرأة محروقة، يخجل الإطار من الحياة وترفض السنيما أن تسجل الجريمة وترفض ذاكرتي أن تعترف بأن الحياة والموت من معدن واحد.

فهل السينما التسجيلية تحتاج لمشاهد الرعب لتأكيد مصداقيتها؟

صوفي سيفرمان تتسلم جائزة فيلم "عصابة غولابي" نيابة عن المخرجة بمهرجان الجزيرة العاشر (الجزيرة)
لماذا ركبت المخرجة هذا المشهد ببداية الفيلم كأنما تريد به القول بأن البقية تأتي؟ هل السينما التسجيلية تحتاج للمغالاة في أنواع الرعب والمزايدة فيه كأنها في سوق للمشاعر يتنافس فيها المشاهد لشراء اللقطات الأكثر قبحا وألما؟

بعيدا عن واقعي المطمئن وبعيدا عن الهند ومليار نسمتها شعرتُ بنسمة نساء طائفة الداليت تقترب من وجهي فابتسمتُ احتراما لمقاومتهن.

بعيدا عن سينما الرعب التجارية وبعيدا عن أفلام هتشكوك المشوقة وبعيدا عن حصص التحقيقات التلفزيونية يقترب بنا فيلم "عصابة غولابي" إلى عالم الرعب الحقيقي ويقترب بنا إلى عالم الأرامل ومجتمع الإسلام فيه فلكلور خال من نور هذا الدين، كما يقترب الفيلم من شريحة من الناس، العدل والقانون عندهم رمزي وبنوده كتبت بالرماد.

إن فيلم "عصابة غولابي" يروي لنا قصة البعد والقرب: بعد الرجال عن النساء وقرب الموت من الحياة وقصة الموءودة التي سئلت بأي ذنب قتلت؟

المصدر : الجزيرة