الحبيب ناصري*

فيلم "سكان النيل" فيلم تسجيلي (52 دقيقة) لمخرجه شريف هلال يقدم صورة ممتعة/مؤلمة عن قدرة المواطن الفقير على تحدي سؤال امتلاك بيت يقيه شر الدهر.

هنا الأمر يتعلق بكيفية جعل مركب الصيد التقليدي البسيط هو "الحلم/الشقة" المتجولة في مياه النيل.

فوق هذا المركب تعيش مجموعة من الأسر وإلى حد الآن، قاهرة قهر القاهرة وكل تجليات الطبيعة، جاعلة من الماء المجال الطبيعي الذي تعايشه ليل نهار، وتنصت له ألمها/أملها.

سيد وطفلته في بيتهما المائي جغرافيا جسدية اكتسبت المناعة المناخية من خلال عطف الطبيعة عليها (الجزيرة)

وأنت تتابع قصة فيلم "سكان النيل" تتداعى مجموعة من الصور، وتحاول قراءة ما تشاهده بخزان صورك المنحوتة في ذاكرتك، ومنها صورة سكان النيل القدامى التي تلقيناها في تعليمنا الابتدائي، وهي "الصدمة" الأولى التي يمارسها الفيلم في حقك، وأنت تريد تفكيك عنوان الفيلم. أي أنه يجيبك، وببساطة أن سكان النيل في زمننا هذا في سويعاتنا هاته، وليس الحدث مرهونا بحقبة تاريخية غابرة قد مضت.

سرعان ما تتلقى "الصدمة" الثانية حينما يستطيع المخرج الإمساك بصورة قوية ودالة، إذ تمر سفينة سياحية بجانب المركب/الشقة، شتان بين زمني المركبين، وشتان ما بين من يعيش على ظهر الأولى، ومن يستمتع على ظهر الثانية. هنا الصورة تولد تضادا مرعبا لي كعربي، بل كإنسان تماهيت مع المركب الأول وتضامنت معه، لكي تتخلخل لي الصورة بمرور المركب السياحي الثاني الذي له زمنه الخاص، ومتعته الخاصة.

فالأول يقاوم زمن الذل والمهانة التي وصلت ذروتها في مراجعة الأبناء لدروسهم فوق سطح المركب البسيط، والأب بصحبة الأم يصطادان ما تيسر من سمك قليل لبيعه لسد الرمق، والصورة الثانية باحثة عن خرير المياه واستحضار طبيعة العيش في النيل، ليجدوا أن "سكان النيل" القدامى ما زالوا يستمرون في حياتهم لكن بصيغ وبصمات أخرى.

لنتأمل البعد الدلالي لاسم أسرة سيد السيد، ونحاول ربطه بسياقه السوسيولوجي، هنا قمة التضاد بين دلالات الاسم وسياق العيش، لكن من الممكن توسيع لعبة القراءة نحو رؤية أخرى مفادها أنه فعلا سيد السيد، لأنه بالفعل استطاع أن يقهر قهر القاهرة كما قلت سابقا، استطاع أن يجد ويمتلك فضاء أرحب في النيل، هو حر في مسكنه/مركبه، يمارس ويتمسك بحقه في الحياة، بحقه في عذوبة/عذاب العيش.

فريق العمل خلال الاشتغال على فيلم "سكان النيل" (الجزيرة)

فوق وداخل مركبه يمارس حقه في متعة الحياة، لون وجهه تمازج وتماهى مع جغرافيا النيل، هو أسطورة سوسيولوجية، تستحق التحليل والتفكيك، ومع ذلك يحتسي كأس شاي ويحلم ويوجه الدعوة لكل من عبر بجانبه بمركبه سواء كان من فئته، أو من بقية الفئات الأخرى، كرجال الأمن وهم يدققون أمن النيل، هو فعلا سيد السيد، لكونه استطاع أن "يتمرد" على عنف العيش بملامسة ممتعة للنيل، وزوجته تلامس معه شبكة صيد السمك.

هي حدوثة ممتعة ورافضة للاستسلام، ومتمسكة بالحق في العيش/الألم، بل بالحق في جمالية هذا الألم، وتحويله نحو رؤية مستقبلية مطالبة بالحق في السكن.

نفس الدلالة من الممكن نحتها ولو بصيغة أخرى من اسم أسرة سلامة سعيد، حيث هيمنة السلامة والسعادة، سلامة الحياة وسعادتها فوق وداخل المركب/الشقة، على امتداد كافة فصول السنة، والإصرار على البحث عن لحظة حياة ممتعة تجمع كل أفراد الأسرة فوق مياه النيل، إنها اللحظات الممتعة التي من الممكن أن ندرجها ضمن جمالية الألم، وهي جمالية تجعلنا كمتفرجين نستمتع بهذه اللحظات، لكن في استمتاعنا نحن، هناك ألم ما يظل مستمرا لدى الغير، فهل هذا هو قدر الإبداع الذي لا "تحلو" حلاوته إلا كلما اقترب من ألم الآخرين؟

الحق في الحلم
الخيط الرابط بين جميع أفراد الأسرة التي حاورها ورحل معها المخرج داخل المراكب هو الحلم، الحلم من أجل غرفة نوم حقيقية، و"صالون" ومطبخ.. إلخ، حقيقيين وغير متنقلين فوق المياه. حلم بسيط، لكنه خلق متعة التلقي، ولا سيما حينما تحاول أنت المتفرج تفكيك جغرافيا الألم من تقاسيم الوجه، جغرافيا جسدية خاصة اكتسبت المناعة المناخية من خلال عطف الطبيعة عليها، بل تكاد موسيقى المياه النيلية تكون هي الأخرى باحثة عن صدق الكلام والحق في هذا الحلم.

وعلى الرغم من كل هذه المآسي تتناسل أسئلة عديدة، وفي سياق أن تخرج العمل من سياقه الأول نحو سياق ثان، لأن طبيعة الفن "الحقيقي" هي هذا، هنا من الممكن القول إلى أي حد قد تكون هذه الأسر سعيدة فعلا، أليس تحقيق حلمهم في مسكن بسيط هو "غدر" للنيل الذي منحهم كل وده وحبه وكساهم بقمره ومطره؟

في نفس السياق الفني/البصري استطاع المخرج الإمساك ببعض اللقطات السينمائية التسجيلية الراغبة في تقريب طبيعة هذا الألم/الأمل الذي تعيشه هذه الصور، بما فيها لحظة "التلصص الفني" على سيد السيد عبر التصوير من الخلف وهي تبحث في تلك الدروب الضيقة عن شبكة الصيد، فمن يصطاد من هنا؟

المخرج شريف هلال قدم صورة ممتعة/مؤلمة، وفيلما تميز بشعرية الفكرة الجديدة (الجزيرة)

بكل تأكيد استطاع الرجل أن يجد شبكته التي سيصطاد بها ما تيسر من أسماك، وفي نفس الوقت "اصطاد" المخرج صورة قوية ودالة، راغبة في معرفة تفاصيل دقيقة تخص الشخصية، مع موقعتها داخل أمكنة شعبية ودالة على الرغبة في تحقيق متعة الحياة، داخل هذه الأمكنة التي تزخر بالحركة والحيوية، بما يذكّر بفضاءات كتابات نجيب محفوظ الروائية، وهنا أيضا نمسك بتناص روائي/تسجيلي دال.

فيلم "سكان النيل" تميز بشعرية الفكرة الجديدة التي لها قوة قول "لا" لكل سياسة غير نافعة لوطنها ومواطنيها.

"سكان النيل" من إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية للموسم التسجيلي 2014.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* ناقد مغربي

المصدر : الجزيرة