عزة سلطان*

ما الأكثر جاذبية في العمل السينمائي؟ سؤال يتصدر الذهن وتبقى الإجابة عنه طموحا يهفو إليه كل صُناع الأفلام سواء أكانت تسجيلية أم روائية.

"مع مرور الوقت في شنغهاي" يحكي قصة تبدو اعتيادية للغاية، عن فرقة جاز. وجه التميز هنا أنها أقدم فرقة جاز في العالم، أعضاء الفرقة من كبار السن حتى ما بعد العقد الثامن. الفرقة دخلت موسوعة غينيس لأنها ظلت عشرين عاما متواصلة تعزف يوميا.

أخيرا، تتلقى الفرقة دعوة للعزف بمهرجان الجاز في روتردام، ويبدأ الفيلم بأعضاء الفرقة وهم يستعدون للسفر. بضع دقائق نقضيها مع تفاصيل الرحلة والحافلة التي تقلهم، ثم تعود اللقطات بطريقة "فلاش باك" إلى ثلاثة أشهر قبل هذه الرحلة، حيث نرى مدير أعمال الفرقة وهو يتلقى الدعوة.

توليف ناعم
جاء التوليف في الفيلم متميزا، فالانتقال ناعم سلس وكأنه لم يحدث، لا يشعر المشاهد بأن هناك لقاءات مرتبة، ولا أن الفريق يتم تصويره. باستثناء لقطة واحدة كان القطع فيها حادا، فإن كل التوليف جاء في صالح خلق حالة من التواصل بين المشاهد وأعضاء الفرقة.

يولي غاولكي يعبر عن فرحه بجائزة لجنة التحكيم التي تسلمها من المخرج رياض عبد الهادي (الجزيرة)

أعضاء فرقة الجاز رغم تقدمهم في العمر فهم يتمتعون بخفة ظِل أضفت نوعا من المرح على المقابلات، وهم يتعاملون مع الكاميرا كأنها غير موجودة، يتصرفون بطبيعية، يتحدثون عن كل شيء حتى فكرة مغازلة أنثى.

العلاقة بين مدير أعمال الفرقة والأعضاء معقدة، فهو يوجههم كأنهم أطفال، ثم يعود ويبث فيهم الثقة كبالغين. مناقشة تفاصيل رحلة الفرقة والبحث عن مطربة لمصاحبتهم، ثم الانتقال بين هذه الأمور وبين الحياة الشخصية لكل عازف من العازفين والكشف عن جوانبهم الإنسانية، يتم عبر تصاعد درامي وبناء سلس يمتاز بالتشويق.

لا تتخلل التسعين أي ثوان من الملل. قد يعود ذلك لعدة عوامل منها السيناريو الذي أعده المخرج يولي غاولكي وكذلك أعضاء الفرقة وأرواحهم الشابة.

يستمر الاسترسال عبر "فلاش باك" حتى الدقيقة سبعين، ثم ينتقل المخرج إلى نفس اللقطة التي بدأ منها "فلاش باك" حيث أحد أعضاء الفرقة نائم في الحافلة التي تقطع الطريق من المطار.

وفي هولندا العديد من الأحداث، فأحد أعضاء الفرقة يمرض ويحتجز في أحد المستشفيات، ويقرر أعضاء الفريق ومرشدتهم أن يختطفوا هذا العازف من المستشفى حتى يستطيعوا تقديم الحفل.

فيلم موسيقي
"مع مرور الوقت في شنغهاي" كذلك يمكن اعتباره فيلما موسيقيا. الموسيقى فيه موجودة عبر ثلاثة سياقات: مقاطع أرشيفية من حفلات للفرقة، ومشاهد للتدريب والبروفات، وهناك الموسيقى المصاحبة للمقابلات أو التي تستخدم فواصل انتقالية بين شخصية والتي تليها أو بين حدثين.

استطاع المخرج أن يكشف بنعومة التعقيدات الإنسانية داخل شخصية كل فرد. فأحد أعضاء الفرقة يتحدث مع المطربة التي سترافقهم إلى هولندا ثم يدعوها لزيارته في المنزل، هذه الزيارة التي تدعو الآخرين للابتسام في إشارة ذات مغزى، ثم نرى بعد ذلك المطربة في بيته وكل منهم يعزف، وبعد قليل يضع العازف آلته لأنه تعب. إنه العمر إذن.

يتحدث أعضاء الفرقة عن الثورة الثقافية في الصين، وما عانوه خلالها. أحدهم يحكي أنه كان يسد فتحة الساكسافون بقطعة قماش حتى لا يخرج صوته، فقد كان ممنوعا عزف الموسيقى الكلاسيكية.

ستبقى هذه اللقطات في ذهن المشاهد، حتى تتقاطع في وقت متأخر مع مقابلة تلفزيونية يجريها إعلامي في هولندا، ويسأل أحد الأعضاء عن المتاعب التي كانوا يواجهونها في الصين خلال الثورة الثقافية، فينفي العازف وجود أية متاعب، ويصف محدثه بأنه لا يعرف الصين.

إذن إنها التناقضات البشرية، وثراء الشخصيات موضوع الفيلم. لا شك أن صُناع الفيلم محظوظون بهذه الفرقة، فليس من السهل أن تجد ستة أشخاص يمتلكون روح الدعابة والشباب، والحس الفني.

لم يلجأ مخرج الفيلم إلى اللقطات الواسعة إلا في التعريف بشنغهاي، ونجاح الفرقة بحفلتهم في روتردام.

ينتهي "مع مرور الوقت في شنغهاي" عند النهاية التقليدية في مثل هذه النوعية من الأفلام، بتصفيق حاد ونجاح كبير بعد العزف في مهرجان الجاز.

تكريم فيلم "مع مرور الوقت في شنغهاي" ضمن جوائز لجنة التحكيم بالدورة العاشرة لمهرجان الجزيرة (الجزيرة) video


جاءت كل عناصر الفيلم متوافقة، التصوير واختيار مواقعه، كذلك ترتيب ظهور الشخصيات على الشاشة، والقطع بين الشخصيات والحفلات وأوقات التدريب، اختيارات الموسيقى التصويرية توافق العناصر ساهم في ألا يُشكل طول زمن الفيلم عائقا أمام تقديمه متعة وتشويقا، فهو يفلت من حيز التسجيلي إلى مساحة الدراما حيث قصص وحكايات الفرقة تصنع هذه الحالة.

"مع مرور الوقت في شنغهاي" تسعون دقيقة من المتعة، فهو ليس فيلما تسجيليا عن فرقة جاز، بل هو أشبه بوصلة من حكي الجدات التي ستجد نفسك مشدودا لها متابعا جيدا دون أن تلتفت للوقت الذي يتسرب في هدوء مع موسيقي الجاز القادمة من أحقاب زمنية بعيدة.

* كاتبة مصرية

المصدر : الجزيرة