راشد عيسى*

لا يتطرق الفيلم التسجيلي "روشميا" (2014-70 دقيقة) لأحداث كبيرة تذكر، هو ليس سوى تصوير لحياة أناس هامشيين يسكنون القاع، فعلا لا مجازا، وبالتالي لن يكون لأي حدث يمر في حياتهم أن يهز أحدا، إنهم تقريبا بلا صوت، بلا صدى، بلا حياة، ولن نتوقع أن نسمع غير همهمة في مكان بعيد، سرعان ما ستؤول إلى الاختفاء.

"روشميا" للمخرج سليم أبو جبل حاز على جائزة لجنة التحكيم بمهرجان دبي السينمائي (الجزيرة)
يحكي الفيلم -وهو حائز على جائزة لجنة التحكيم بمهرجان دبي السينمائي الأخير، كما أنه الفيلم الطويل الأول للمخرج سليم أبو جبل (1971)-  قصة أبو العبد وزوجته، الثمانينيَيْن اللذين يقطنان في برّاكية (بيت من الصفيح) في قاع وادي روشميا، ورغم أن الوادي يمر في قلب مدينة حيفا، ومحاط بالأبنية العالية فإن برّاكية أبو العبد تبدو خارج التاريخ، حيث لا كهرباء ولا هاتف، ولا حتى جهاز تلفزيون.

ومع ذلك فقد كان العجوزان مطمئنين للحياة بعيدا عن "نجاسة البشر" كما يصفها أبو العبد، إلى أن جاء مشروع حكومي إسرائيلي لشق طريق سيقضي على برّاكية أبو العبد، ويودي بما تبقى له من حياة في الوادي، حياة عمرها هو عمر النكبة الفلسطينية ذاتها.

 يقول أبو العبد (واسمه يوسف حسان) إنه يسكن المكان منذ عام 1956، هو الذي يتحدر من حي وادي الصليب في حيفا، ويقول إن بيتهم هناك كان أشبه بالقصر، لكنه الاحتلال الذي بدد أهله وشتت شملهم واعتقله بُعيد النكبة، وبُعيد إصابته بطلقة نارية اخترقت فمه، ليصير إلى هذا المكان المعزول، أما زوجته أم سليمان (آمنة أبو فودة) فهي الزوجة الثالثة بعد زوجة قضت، وأخرى طلقت.

أم سليمان تتحدر من بلدة يازور في قضاء اللد، تتحدث عن رحلة النزوح، كما تقدم وصفا للجنة الخضراء التي كانت في بلدتها، لكن الاحتلال "هادين دورنا، وراميين مواتنا وزارعين محلها مندرين".

الآن وهنا       
ماضي العجوزين ليس أساس الفيلم هنا، فحكاية الفيلم هي أقرب إلى "الآن وهنا"، ما يعنينا هو هذه التفاصيل التي يعيشها الزوجان تحت سمع ونظر الكاميرا.

لقد برع المخرج في تحويل التفاصيل الصغيرة إلى مفاصل درامية، لكنها التفاصيل التي تبدو راهنة وطازجة، ولن يخطر في البال أنها استغرقت أربع سنوات من التصوير (منذ عام 2005 وحتى عام 2009).

سنوات وتفاصيل أفضت إلى سيناريو مدهش، بدا وكأنه أقرب إلى نص مسرحي عالمي من نصوص مسرح العبث. هنا شيء من جمال الفيلم، إنه يقترب من عوالم الفيلم الروائي لا التسجيلي، أو كأننا أمام ممثليْن على خشبة مسرح يؤديان "في انتظار غودو" مسرحية صمويل بيكيت ذائعة الصيت. لم يكن عبثا أن يختصر المخرج الفيلم بمشهد افتتاحي هو هذا الحوار البطيء بين الزوجين فيما يشعلان النار في الموقد:

"-الهفاية وينها؟ 
 - ليش الهفاية؟ بتولع (النار) تخافيش عليها.
- اممم، بتولعها الريح، ولعت، ولعت خلاص.
وفي مشهد يليه فورا تقول الزوجة:
- اليوم بقت زوامير، قلنا بده يصير حرب.
-هذولا بيتعلموا لقدام".

هذه الكلمات القليلة تستغرق وقتا بطيئا كما لو أن المخرج يتقصد إتاحة الوقت للأداء، كلمات تتخللها خطى العجوز أبو العبد في المكان، تكسيره الحطب، صوت اشتعال النار، ملامح الزوجة وهي تتابع خطواته فيما تترقب اشتعال النار، شيء ما في حياة الزوجين يذكر بحياة جنديين ضجرين على الجبهة، يكتبان اليوميات نفسها، ويعيدان الألعاب والأحاديث نفسها، يستنفدان كل شيء إلى حد تمني قدوم العدو سريعا للخلاص من هذا الضجر (لقد كتب بيكيت "في انتظار غودو" بالفعل في ظل عيشه حياة الجندية بهذا الشكل).

سينما الحياة
تتوالى مشاهد الفيلم بين تفاصيل الحياة اليومية للزوجين، حركتهما في المكان، الأعمال القليلة الروتينية لأبو العبد، من قبيل تكسير الحطب أيام الشتاء، أو تقليم الشجر، وتكنيس البيت، إلى جانب أعمال منزلية بسيطة للزوجة السمينة حانية الظهر، وبين مشاهد للسيارات والبلدوزرات الضخمة التي تغذّ عملها في شق الطريق، وفي مرات قليلة تتسلق الكاميرا جدار الوادي لتطل على الأبنية الشاهقة المجاورة.

هكذا يمضي العمل على إيقاع شريط صوتي مدروس ومؤثر، من دون أي تعليق مرافق، شريط يستعمل أصوات الحياة، عواء الكلاب وأصوات الديكة وصوت ارتطام الحجر بالحطب أثناء تكسيره، صوت مرور المكنسة على أرض المنزل، أصوات الطيور، أصوات العربات تنقل مواد البناء، صوت الرعد، ومن ثم الراديو، وهو وسيلة التواصل الوحيدة لأبو العبد وزوجته مع العالم. وسيمضي المشاهد لأكثر من مرة في رحلة بانورامية معبرة عبر تنقل أبو العبد بين محطات الراديو المختلفة.

الاحتلال أودى بما تبقى من حياة عمرها هو عمر النكبة الفلسطينية ذاتها (الجزيرة)
وسيبقى الأمر على هذا الحال من الضجر والتكرار إلى أن تفاجئ الزوجة الجميع بأنها تريد حصتها من تعويض البيت، لأنها تريد الانفصال والتوهان في بلاد الله، كي ترى مستقبلها. هنا سيصبح أبو العبد في مصيبتين، تخلي الزوجة أم سليمان عنه في آخر سني حياته، وطرده من منزله في الوادي، هذا الأمر بالذات سيكون الحدث الدرامي الأبرز في هذا الفيلم التسجيلي، ولو أن الفيلم كان يمكن له أن يستمر من دون حكايات من هذا النوع.

لا نحسب هنا أن الاحتلال هو القضية، ولو أنه السبب الأساسي في اقتلاع أبو العبد وزوجته من أمكنتهما الأولى عام 1948، فالقضية مشروع حكومي يطيح بما تبقى من حياة، الأمر الذي حدث ويحدث في أي مكان في العالم، هذا إلى جانب العرض المؤلم لتفاصيل العيش، والتهميش، والشيخوخة، والعزلة، ووحشة الكائن، وتفاصيل أخرى.

ينتهي الفيلم إلى تنفيذ قوات الاحتلال أمر الهدم، والاقتلاع الأخير للعجوزين كي يمر الطريق. يختم الفيلم مع أبو العبد وهو يشتم الشرطة الإسرائيلية ويدعو الله أن "يهدمهم كما هدموا". وفي تيترات الفيلم سنلاحظ تلميحا يقول إن العجوزين قضيا، بل إن الفيلم مهدى إلى ذكراهما.

فيلم بديع حقا، جميل ومؤلم، ومبشر بمخرج تحول من الكتابة الصحفية إلى الإخراج حين دلف من هذه القصة الصحفية التي أعدها لصحيفة محلية حيفاوية إلى عمل سينمائي ولا أجمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* صحفي وناقد فلسطيني مقيم في فرنسا

المصدر : الجزيرة