نييبس مارتين*

يعيد الفيلم التسجيلي "العناق الأخير" (29 دقيقة) لمخرجه الإسباني سيرجي بتراش، والذي ترشح لجوائز غويا السينمائية هذا العام، بناء قصة حقيقية لخلق نموذج مدهش عن الحيوات المحطمة والجريحة خلال الحروب وما بعدها. هذه الحيوات التي تستطيع في النهاية أن تستمر بكرامة، لتترك لنا إرثا هاما مليئا بالأمل.

كل شيء بدأ في مزايدة ليلية: مخرج وسيناريست الفيلم يشتري بالمصادفة حقيبة قديمة بيورو واحد، ومن بين وثائق عديدة، يعثر في داخلها على رسالتين تسطران لحادثة انتحار.

الرسالتان مؤرختان في إسبانيا عام 1946، أي بعد الحرب الأهلية (1936-1939)، إذ يعيش البلد أقسى سنوات ما بعد الحرب، حيث القمع والجوع، وفي إطار أوروبا مزعزعة بعد الحرب العالمية الثانية.

الظروف التاريخية التي تحيط هذا الفيلم التسجيلي بجذور أوروبية ودولية عميقة، نتعرف إليها تدريجيا عبر الرسالتين الموقعتين باسم واحد هو: ماريانو، مع وداع قصير هو "العناق الأخير".

مشهد من فيلم "العناق الأخير".. المخرج (يسار) مع أحد الباحثين في قراءة جديدة لتراجيديا الحرب (الجزيرة)

أسئلة الفيلم
لماذا لم تُرسل الرسالتان ثم تظهرا بعد 70 عاما في حقيبة عتيقة بأظرف مغلقة؟ هل انتحر ماريانو في الأخير؟ هذه الأسئلة هي الحجر الأساس لهذا الفيلم التسجيلي الذي يتحول فيه المخرج إلى باحث أسطوري بغرض إخبارنا عن اكتشافاته، بدءا من إسبانيا، وعن طريق العناوين الموجهة لها هاتان الرسالتان.

يبني المخرج سيرجي بتراش فيلمه بحيوية وتقنية راصدة، فهو لا يلجأ إلى الإرث المكتوب وشهادات الأشخاص الذين كانت لهم علاقة بماريانو وحسب، بل يضمّنه مشاهد أصلية لما بعد الحرب الأهلية الإسبانية، وآراء خبراء مثل متتبع خطوط ومؤرخ وعالم نفس ومكتبي ومؤرخة في فن التصميم.

بعد محاولات عديدة، يتوصل إلى معرفة صاحب الرسائل، وهو ماريانو رابيش (1908-1974) أحد أهم المصممين الغرافيكيين في القرن العشرين، من أصول بولندية. بعد أن يتعلم في أوروبا، يصل إلى إسبانيا ليقوم بتجديدات مهمة ويطبقها بنجاح على المجلات وأغلفة الكتب والإعلانات الدعائية.

وخلال الحرب الأهلية، يعمل رابيش في وزارة الدعاية التابعة للجمهورية، والتي بدورها تنعم عليه بالجنسية الإسبانية. بعد خسارة الجمهوريين في الحرب عام 1939، يُقبض عليه ليجرّد من جنسيته ويحكم عليه بالسجن المؤبد، الأمر الذي سيتسبب في انتحار زوجته.

وهو في السجن أيضا، سيفقد عمليا بقية أفراد عائلته المسجونين في معتقلات النازية الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية.. سينجو أخيرا من الحكم المؤبد ويطلق سراحه في ربيع العام 1946.

الرسالتان اللتان عثر عليهما المخرج (الجزيرة)

تراجيديا مختلفة
بعد سبعة أعوام من الحبس يعيش وإسبانيا تراجيديا مختلفة، وحياة الألوان تتحول إلى الأبيض والأسود أو لون القهوة المبطن، كما يسرد الفيلم التسجيلي. وضعه الشخصي معقد من الناحية الاجتماعية والمهنية، دون عائلة وبلا أصدقاء تقريبا.

في يونيو/حزيران، وبعد ثلاثة أشهر فقط من إطلاق سراحه، يكتب تلك الرسائل التي نعرفها، بلا أي أمل، فقد قرر الانتحار ".. لقد مات الملايين من البشر الشجعان، فلن نخسر شيئا عندما يموت رجل مثلي لا يساوي أي شيء".

الشخص الذي يكتب، يتوصل إلى التعريف بنفسه بأنه غير نافع، لا يفكر بالإرث المهني والإنساني الذي تركه خلفه وما سيتركه في كل أولئك الذين تعرفوا إليه، وهو إرث سيصل أيضا إلى أولئك الذين نخصهم بعبارة "العناق الأخير".

مثل العديد من أولئك البشر الذين لا شك في قيمتهم الكبيرة والذين أخرستهم الحروب وما بعدها، كان يمكن أن يقع ماريانو في غياهب النسيان.

دون شك، ذلك الرجل الحسّاس الذي توصل إلى أن يرى في الموت خلاصه الوحيد ليتجاوز ما عاشه، سيحصل على طوق النجاة.

في الرسالتين، وقبل عبارة "العناق الأخير"، كان له رجاء وحيد، وهو أن يوصلوا خبر انتحاره إلى الشابة لوليتا، حتى تنساه بسرعة. هذه المرأة نفسها هي من حدست بالأمر وأنقذته من الموت، دون أن تعرف حتى بما كتبه.
 
سيرجي بتراش أعاد بناء قصة حقيقية لخلق نموذج مدهش عن الحياة الجريحة خلال الحروب (الجزيرة)
بعيدا عن الرعب
سيبدأ ماريانو مع منقذته حياة جديدة في أميركا اللاتينية، مثل العديد من المنفيين الإسبان والأوروبيين الآخرين، بعيدا عن أوروبا العجوز وما بعد حروبها.

يبدأ ماريانو حياته الجديدة في سانتياغو عاصمة تشيلي، ومن جديد رفقة مهنة وأصدقاء وعائلة. هذا دون شك الجانب الأكثر تأثيرا وشاعرية في الفيلم. رفقة شهود آخرين في تشيلي، تتذكر ابنته الوحيدة فرجينيا هيئة الرجل المحبوب الذي تمتع أخيرا بحياة هادئة سعيدة، وبعيدة عن الرعب.

عندما تتسلم فرجينيا متأثرة الرسالتين اللتين أعلنتا انتحار أبيها، نشعر جميعا -كما يقول بتراش- أننا أيضا من بين الذين تُوجَّه لهم الرسائل، بعد 70 عاما تقريبا.

دون شك، فالنهاية السعيدة المتأملة، تجيء مع الطعم الحلو للأغنية الختامية التي تقول "وهذا هو العناق الأخير الذي لم تقم به أبدا".
____________
* كاتبة إسبانية

المصدر : الجزيرة