عبد الهادي سعدون

فيلم الفرنسي أنطون باج (Antoine Page) -المعنون بـ"ليس الجنون بشيء سيئ، أو من الروعة أن تكون مجنونا"، إنتاج 2012- يسعى للمزاوجة بين الفيلم المُعد لأحداثه سلفا وبين ما تجيء به الأوقات القادمة دون تخطيط مسبق.

ليس في الفيلم ظاهريا أية رسالة محددة، ففي البداية يعلن المخرج بأنه سيسافر في شاحنة صغيرة برفقة رسام يدعى بلال (أسمه الفني زوبروجكت)، والهدف من الرحلة هو قطع الطريق عبر بلدان عديدة للوصول إلى مدينة فلاديفوستوك الروسية. حتى الإعلان عن المدينة لا يضعنا إطلاقا أمام مغزى الرحلة أو الفيلم، بل يشبكنا معه في استفهامات الغاية البشرية من الرحيل أو من أن نقوم برحلة معينة دون غيرها ولا نجد عذرا أو سببا مقنعا لذلك.

بطل الفيلم الحقيقي هو الشاحنة أو السيارات الأخرى أو القطارات (تنوب عنها عندما تصل الشاحنة لنهاية حياتها بتوقف المحرك عن العمل في منتصف الرحلة). العجلة أو السيارة هي المحرك الحقيقي لأنه من دونها يصبح العمل مجرد ترقيع ووصول من مدينة إلى أخرى لغرض معين مكشوف.

انتقال الشاحنة برفقة بطليها من حدود فرنسا مرورا بسويسرا وأوكرانيا وكازاخستان وصولا  لميناء فلاديفوستوك، لم يتم بصورة متكاملة ونمطية كما نراها في أفلام تسجيلية عديدة

رحلة الشاحنة بمطباتها ومقالبها تجعل منها هدفا إنسانيا شبيها برحلة الحياة نفسها التي يقودنا فيها محرك متعطش لمعرفة ما يدور في الزاوية القادمة، ولكنه المحرك نفسه الذي يتوقف ويجبرنا معه على تأمل الرحلة نفسها أو إيجاد أسباب ومبررات ووسائل أخرى لإكمالها أو إعطائها مبرر الوجود.

تقنيات المزج
استخدم المخرج -عبر ساعة ونصف الساعة هي زمن الفيلم- تقنيات المزج بين مشاهد الفيلم الطبيعية المتنوعة وما يجود به خيال الرسام بلال من تصويره الشخصيات البشرية التي يلتقيانها، أو المدن والمناظر التي يمران بها، سواء من خلال الشاحنة نفسها ووسائل النقل الأخرى أو من خلال التجوال في هذه المحطات دون سابق معرفة محددة.

تصبح الرسوم في أغلب المرات بمثابة الموجه والملتقط لحركة الكاميرا بصورة موحية وشاعرية تمتزج أحيانا بحركة الكاميرا الرئيسية أو مع حوارات الناس والشوارع والطبيعة، دون أن ننسى -بطبيعة الحال- الموسيقى الأخاذة التي تمرر نغماتها بين حين وآخر لتمنح الصورة بعدا آخر أكثر التصاقا وقربا من النفس، لا سيما أن المخرج قد أدخل العديد من الأغاني والموسيقى الشعبية المحلية والابتهالات الدينية منها في ثنايا العرض.

انتقال الشاحنة برفقة بطليها من حدود فرنسا مرورا بسويسرا وأوكرانيا وكازاخستان وأجزاء كبيرة من الاتحاد السوفياتي القديم، وصولا لميناء فلاديفوستوك، لم يتم بصورة متكاملة ونمطية كما نراها في أفلام تسجيلية عديدة، بل إن المخرج يبدو كأنه في طور تدوين رواية أو يوميات إلى تقطيعات ومنمنمات صغيرة في جمعها معا تشكل الصورة الكاملة والموثقة للرحلة.

لا المخرج ولا الرسام يقدمان الحلول، بل هما مستمعان وشاهدان على التحول السريع للعالم ومدنه وقراه، أناس فقدوا كل شيء في رمشة عين وآخرون ينظرون للعالم من ثقب ضيق

يتكون الفيلم من ثلاثة أجزاء وخاتمة، وكل جزء من عدة فصول تكتمل كلها في أكثر من 15 فصلا صغيرا أو متوسطا، وكل فصل فيه يتناول حكاية معينة أو لقاء معينا أو فقدا معينا. هناك فصول قمة في الشاعرية مثل التوقف عند قرية في قمة جبال سويسرا محاطة بالثلوج لتصوير الرسام وهو يرسم صورة بقرة عملاقة على جدران كوخ ريفي، أو حضور إحدى المسابقات للأغاني الدينية في قرية صغيرة في أوكرانيا.

في أوديسا
أكثر المشاهد عفوية ورمزية عندما يدخلان مدينة أوديسا ليقوما بإقناع البلدية بإحياء مشاهد الفيلم المعروف (مدرعة بوتمكين) استذكارا للمجزرة المروعة التي خلدها المخرج إيزنشتاين قبل قرن وأكثر. كل ذلك عبر معرض على الهواء الطلق لرسوم بلال الممثلة للمدينة وناسها في لوحات على الورق محتلة لكل زوايا وفراغات المدينة.

لقاءات مع البشر وكاميرا ثابتة تسجل كل ما يخطر على بالهم، عن الوضع الحالي وعن الحنين للماضي، وعن الفقر والمآسي والضياع، عبر حكايات لبشر من جنسيات وأعمار مختلفة، كلها تدور حول "لماذا يجري كل هذا؟" أو "لماذا لم يجر بما يمكن أن يجعلنا في وضع آخر؟"

لا المخرج ولا الرسام بطبيعة الحال يقدمان الحلول، بل هما مستمعان وشاهدان على التحول السريع للعالم ومدنه وقراه، فأناس فقدوا كل شيء في رمشة عين وآخرون ينظرون للعالم من ثقب ضيق، ومع ذلك هناك حالات الهياج والفرح التي تسيطر علينا للمحة جمال أو لتذكر عابر. عبر الشاحنة والباصات والقطارات، سواء من الداخل أو عبر النافذة، تلتقط الكاميرا أو أصابع الرسام على حد سواء كل تلك الشعلة المتوهجة التي تغري البشر بضرورة الاستمرار.. الأمل لا غيره.

جاك كرواك يلخص بجملة واحدة الهدف الحقيقي من الحياة فيقول "فقط لأنه ليس ثمة مكان يعيش فيه دون أن يُمل منه، وليس من مكان يذهب إليه سوى كل مكان، ولا ما يفعله سوى أن يتدحرج تحت النجوم"

المخرج والرسام بعد أن يفقدا الشاحنة والعديد من المشاهدات والمدن والظواهر التي كانا يتوقعان العثور عليها وحين يكتشفان اختفاءها وضياعها مثل غيرها، سيريحان البصر أخيرا بالوصول إلى ميناء فلاديفوستوك الروسي هدف الرحلة، ليراقبا من عند تلة بعيدة الشاحنات الواصلة والمغادرة، والرافعات وهي ترفع كتل صناديق الشحن العملاقة لتدسها في بواخر وسفن عملاقة.

في واحد من هذه الصناديق سنرى وجها بشريا عملاقا هو الآخر وقد رسمته يد الرسام، متنقلا من رافعة حتى أخرى ليستقر في سطح سفينة تمخر من جديد في بحر عريض نحو هدف ومسعى ورحيل آخر.

في الكتاب المعروف "على الطريق" لجاك كرواك يلخص بجملة واحدة الهدف الحقيقي من الحياة في مسيرها الدائم في طرقات متشعبة وبحثها الدائم عن مبرر لهذا التجوال، يقول "فقط لأنه ليس ثمة مكان يعيش فيه دون أن يمل منه، وليس من مكان يذهب إليه سوى كل مكان، ولا ما يفعله سوى أن يتدحرج تحت النجوم". ولعل مخرج هذا الفيلم التسجيلي المؤثر -برفقة مساعده الرسام- لم يكن يبحث بالضرورة عن الهدف الحقيقي من الرحلة، بقدر ما كان يسعى للدحرجة تحت النجوم نفسها في مدن وبلدان متفرقة ليراقب بالعين وهي تقتنص نظرتها الثاقبة في مراقبة الأشياء الصغيرة المخفية والمشاعر الإنسانية المتشابهة لدى البشر في أي بقعة من العالم.

المصدر : الجزيرة