عبد الهادي سعدون

بعد فيلمين تسجيليين حققا نجاحا ملحوظا في الأوساط السينمائية الإسبانية، هما "الجانب الآخر.. حيلابابيس" (2002) و"مراجيح" (2007)، يعود المخرج المصري الأصل باسل رمسيس المقيم في إسبانيا منذ فترة طويلة، لتناول واحد من المواضيع الخطيرة والمربكة ضمن حيز المجتمع العربي، وهو مسألة الزواج السريع والمتاجرة بالنساء على خلفية أمراض مزمنة اجتاحت المجتمع المصري وما تزال مستمرة وتعبّر عن نفسها بشكل خفي أو علني، دون تدخل من سلطات رسمية تغلق عينيها وسمعها، ولا تحد منها أو تمنعها أخلاقيات مجتمعاتنا العربية ولا أعرافها المتداولة.

في فيلمه التسجيلي الثالث "سكّر بره" (2014)، يقوم المخرج بوضعنا في تماس تام بين عنوان الفيلم والحقيقة المُرة للواقع، ما بين مفردتي السُكر وتراجيديا بطلات الفيلم المأساوية وتفاصيل حياتهن التي تعرضت لتغيير تام بعد الاضطرار لخوض تجربة الزواج السريع مع رجال يبحثون عن المتعة العابرة مع فتيات من قاع اجتماعي فقير ومتخلف.

إن كان الفيلم يركز على قرية نائية في ريف مصر، فإنه في الحقيقة يشير إلى المعضلة المتوافرة في مناطق مصرية أخرى، ومن الممكن أن نضيف لها مناطق أخرى من العالم العربي لم تخرج للنور لسبب أو لآخر

هو زواج فاشل منذ لحظاته الأولى، لأنه يقوم على مفردة العرض وشراء الزوجة لفترة محددة مقابل مردود مالي، أغلب الأحيان يصرف ويبذر في وقت قصير دون أن يساهم حقيقة بإنقاذ وترتيب حياة المرأة المشتراة.

وإن كان الفيلم يركز على قرية نائية في ريف مصر، فإنه في الحقيقة يشير إلى المعضلة المتوافرة في مناطق مصرية أخرى، ومن الممكن أن نضيف لها مناطق أخرى من العالم العربي لم تخرج للنور لسبب أو لآخر.

عبر أصوات نسوية من أجيال مختلفة، نستمع ونراقب خلال الكاميرا حكايات سرية عما يصفه الفيلم ببيع الأجساد من أجل لقمة عيش كريمة، أو هذا ما كنّ يعتقدن بالحصول عليه. هذه اللقمة التي لا تعثر عليها العديد من هؤلاء النسوة بسبب الإذلال والتلاعب على القوانين وتواطؤ الآباء والأمهات أحيانا، وبسبب شيوع تجارة وكيلات ووكلاء الزواج السريع بصورة غير شرعية.

في الفيلم تظهر حكايات ومناقشات وتجارب أكثر من تسع نساء وافقن على الظهور أمام الكاميرا للحديث عن تجاربهن الخادعة بالزواج من شيوخ كبار في السن، بهدف الحصول على حياة تريحها من الفقر المدقع أو الهروب من ظروف عائلية أو بسبب الخديعة التي تتعرض لها.

نساء يعرفن مصيرهن
المدهش في الفيلم أن النساء المتحدثات عن الظاهرة يعرفن بنتائجها المسبقة، واللاتي لم يجربن ذلك أو في الطريق لخوض التجربة لا يجدن الخلاص إلا عبر هذه الطريق الشائكة. على الرغم من أن الفيلم يتناول حالات عديدة، فإن المخرج قد ركز على شخصيتين نسائيتين أكثر من الأخريات: امرأة في الأربعينيات خاضت التجربة ولم تحصل على مبتغاها ببيت وأولاد وحياة كريمة إلا من عملها نفسه، وأخرى شابة صغيرة لا تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها مصرة على خوض التجربة وهي على معرفة بفشلها مقدما، وذلك لظرفها العائلي القاهر والمعاناة التي تعيشها في عائلة مفككة وأب غير رحيم.

يجب ألا يفهم القارئ العربي لهذا المقال أن حالات الزواج عرفي سريع في مصر لقاء حفنة من الجنيهات يقوم به نوع معين من الرجال ومن جنسيات معروفة تم الحديث عنها في الصحافة والتقارير. فالحقيقة ومن خلال الأصوات النسائية التي تعري الحالة، نكتشف أننا إزاء حالات لزيجات يدخل فيها طرفًا رجالٌ من أعمار مختلفة -وإن كان أغلبهم من الشيوخ كبار السن- من كل الجنسيات العربية، ولا فرق بين جنسية وأخرى. وهذا ما يجعلنا ندرك أن القضية قد وصلت إلى أطراف عالمنا العربي ولم تتحدد برقعة جغرافية معينة.

على هامش التركيز على حكايات ومأساة النسوة اللاتي جربن معاناة الزواج السريع، فالمخرج استغل فترة التسجيل وقد صادفت أيام سقوط حكومة محمد مرسي، مما منح الفيلم بعدا آخر وأضاف الكثير للموضوعية، وكأن المخرج يريد أن يشير للحالة ككل مكمل لبعضه، ولا وجود لظاهرة منعزلة عن مجمل ما تمر به البلاد من فوضى وتناحر وبؤس وخراب لا حل له إلا بالتغيير والتنديد والمشاركة الفاعلة.

المخرج تناول واحدا من المواضيع الخطيرة والمربكة في المجتمع العربي (الجزيرة)

كاميرا وحيدة
الفيلم جريء وشجاع بالتصدي للظاهرة المعروفة بين الجميع، والمخفية بتعمد وكأن الكُل يشارك بالتغطية عليها. كما أن الفيلم عبّر عن الحالة بكاميرا حيوية والتقاطات ذكية من ضمن الواقع دون رتوش ولا تحضيرات معينة.

كاميرا وحيدة وشخص واحد خلفها هو المخرج والمعد ومشغل الكاميرا أمام وجوه متطلعة متأزمة وأفواه مكبوتة ترغب بالبوح وسرد معاناتها، حتى لو كان ذلك على حساب الظهور المباشر للوجوه في لقطات ومناجاة وآراء قد تشكل خطرا على حياتهن.

عبر كاميرا ذكية وساعات طوال من التسجيل على مدى أيام، استطاع المخرج أن يضع النقاط على حروف الألم الناطق، وأن يقدم لنا في 77 دقيقة مونتاجا حرفيا يجعلنا نتشارك ونتعاطف ونصرخ تنديدا بظاهرة جارحة تطالنا نحن أيضا، لأننا جزء منها بسبب ابتعادنا وعدم شجبها والكتابة عنها.

لعل "سكّر برّه" بصورته الواضحة للكشف عن تراجيديا قطاع كبير من نساء مصر، أراد به مخرجه باسل رمسيس أن يكون بمثابة بوق معلن لإشارات وكتابات وأفلام أخرى لا بد أن تتجرأ للخوض في هذه المسألة الجوهرية والحالة المؤلمة التي ترزح تحتها نساء تركن وحدهنّ بسبب الحاجة والفقر والظلم الاجتماعي. وهو تركيز مهم عن أوضاع اجتماعية محفزة يضاف لما تناوله في فيلميه السابقين بالحديث عن التعايش والهجرة ومعاناة المهاجرين (إسبانيا)، والأطفال المنكوبين في أزمنة الحروب والقصف والقحط (غزة).

المصدر : الجزيرة