راشد عيسى

كم فيلما تسجيليا تحتاج مدينة في حقبة ما لتوثيق سيرتها؟ يخطر السؤال بينما يشاهد المرء الفيلم التسجيلي الهائل الصنعة "لقاء في أرض مسلوبة"، من إخراج ماري غرغور (إنتاج ٢٠١٣)، والفائز بالجائزة الذهبية لمهرجان الجزيرة العاشر.

يسجل الفيلم يوميات مدينة يافا الفلسطينية في عقديْ ما قبل الاحتلال إلى تاريخ سقوط المدينة في مايو/أيار العام ١٩٤٨، حيث لم يكن قد مضى وقت طويل على ولادة فيلم "اغتيال مدينة" (إنتاج ٢٠١١) للفلسطيني رامز قزموز، ويتناول الفترة نفسها من حياة المدينة، مع فارق مثير للاهتمام، هو أننا نسمع حكاية المدينة نفسها تقريبا، ولكن عبر شهادات فرنسيين عاشوا فيها وأحبوها، وجاءت روايتهم بمثابة شهادة محايدة تساند الرواية الفلسطينية وتصدقها.

لكن ليست الشهادة المحايدة وحدها هي ما يثير في روايات الفرنسيين، فهناك متعة أن تشاهد أبناءً آخرين للمدينة، أحبوها كما لو كانوا أبناءها الأصليين. لمَ لا، وبعضهم عاش فيها لأربعة أجيال متلاحقة من أيام الأتراك؟

ما يلفت أيضا في شهادات هؤلاء الفرنسيين اليافاويين أنهم كانوا، تماما بعكس صورتنا نحن في أفلامنا، يضحكون فيما يستذكرون تلك الجنة التي عاشوها في طفولتهم، إلى حد يبدو وكأنها لا تزال تؤثر بهم إلى اليوم، بل وكأن تلك السنوات باتت المؤشر الذي رسم كل خطواتهم اللاحقة، تماما كما نجد كيف أن أحدهم يعود دبلوماسيا للبلاد في فترة لاحقة بأثر الحنين إلى سنوات الطفولة تلك.

ماري غرغور تتسلم الجائزة الذهبية من رئيس مجلس إدارة شبكة الجزيرة (الجزيرة)
التاريخ حافيا
بشكل أساسي بُني الفيلم على مراسلات الطبيب باتريس بورو لوالدته، هو الذي عاش في فلسطين منذ العام ١٩٢٨ وحتى ١٩٥١. ويعرض الفيلم بعض رسائل له تغطي تلك الفترة، يمزج فيها الطبيب الفرنسي بين الحديث عن أحوال البلاد السياسية وأحواله الشخصية وتحركاته. بورو كان الطبيب الأول في المشفى الفرنسي في يافا، وعلى يديه ولد خلق كثير من أبناء المدينة. أبناؤه يظهرون بمقابلات في الفيلم، بينما يحضر هو عبر الرسالة المقروءة بصوت معلق، والمعروضة على الشاشة. يحضر ابنه جيل بورو، وابنتاه جاكلين وماري فرانس، بالإضافة إلى فرنسيين عاشوا هناك في الفترة نفسها، السيدة سوزان، وسابين وشامبنوا، وهؤلاء لا تقل أعمارهم عن السبعين بالطبع.

تدور حكاية الفيلم الأساسية حول حقيقة البلاد في عشرينيات القرن الماضي، وكيف كانت جنة لأبنائها المتحضّرين. مدينة تغتني بالتجارة بسلعتها الشهيرة البرتقال اليافاوي، والصابون، كما تغتني بالفعاليات الاجتماعية والثقافية من نشاط مسرحي وغنائي وسواهما. لم تكن بلادا بدائية أو متوحشة كما تؤكد السيدة سوزان، تلك الرواية التي روّج لها المحتل مقدمة لتبرير الهجرة اليهودية الواسعة إلى البلاد، واستبدال شعب بشعب.

يسجل "لقاء في أرض مسلوبة" بالوثيقة، وعلى لسان الضيوف، الأحداث التي عصفت في البلاد منذ عشرينيات القرن الفائت وحتى سقوطها في يد الإسرائيليين، معرجا على ذكر مسؤولية البريطانيين كانتداب، كما يعرض وثيقة فيها أرقام المهاجرين إلى البلاد عبر ميناء يافا، وصولا إلى الإضرابات في عموم أنحاء البلاد، والمواجهات، ثم تفجير فندق الملك داود في القدس، وما له من أثر حاسم في الأحداث السياسية التالية، إلى قرار تقسيم فلسطين العام ١٩٤٧ ثم سقوط فلسطين في العام ١٩٤٨.

الأحداث الكبرى تبدو في الفيلم أكثر سلاسة من أن تكون تاريخا، هي قصص وحكايات شخصية، هكذا مثلا يرتبط حدث تفجير فندق الملك داود بحكاية شخصية لطفل، هو الآن دبلوماسي سابق، يقول إنه نجا من ذلك الحادث لحكمة والدته التي اعتادت أن تأخذهم إلى حلاق ذلك الفندق، لكنها تقرر قبل دقائق فقط من ذلك التفجير أن تغادر. التاريخ هنا هو أقدام عارية تركض على شاطئ بحر يافا. سيدة عجوز تتأمل العابرين من شرفة في بيت لحم. وعمارة تقول كل شيء عن التاريخ.
 
شريط الصوت 
هنا يستخدم الفيلم وثائقه الخاصة التي حصل عليها بجهد استثنائي من مكتبات عالمية، وهذا جزء كبير من الجهد التسجيلي يحسب للفيلم. سنجد صورا لبعض الشخصيات التي يمر ذكرها في الفيلم، إلى جانب صور توثق المكان، من يافا إلى القدس وبيت لحم وسواها، وصور خاصة من ألبومات الشخصيات التي يقابلها الفيلم، من رحلات صيدهم ومشاويرهم في القرى والأماكن السياحية، وفيديوهات توثق الحركة في شوارع المدن، بائع العصير، بائع العرقسوس، حركة المشاة في شوارع القدس مع تلك الصور التي طالما وصلتنا ثابتة. تتناغم تلك الحيوية مع وصف الشخصيات، ضيوف الفيلم للحياة كيف كانت تجري من حولهم. تتحدث سيدة كيف كانت تطل من شباكها على الجيران يلعبون الدومينو في الشارع، أو يدخنون الأرجيلة، "ما زالت رائحة الأرجيلة في رأسي إلى الآن" تقول السيدة.

توزيع الجوائز الذهبية في الدورة العاشرة من مهرجان الجزيرة للأفلام التسجيلية (الجزيرة) video
الشريط الصوتي للفيلم ساحر بالفعل، فعدا الموسيقى الجميلة، استطاع الصوت أن يحيي الصور الثابتة بالأسود والأبيض، كانت عين المشاهد تتسلق الدرج فيما أذناه تسمعان صخب أطفال، أو ضحك، كذلك الأمر حين يستنجد الفيلم بمشاهد للبحر يحييها بالضحك وصوت لعب على الشاطئ غير موجود حقيقة إلا في المخيلة.

يشعر المشاهد بمحاولات حثيثة لصناع الفيلم للإيحاء بجنة مفقودة، فيها اللعب والمرح والشمس والبحر قبل أن يؤول كل ذلك إلى الحال التي نعرفها جميعا بفعل الاحتلال. ربما يكون الفضل الأساسي للصوت في ذلك الفصل الواضح وغير المتلبس بين فقرات متنوعة: رسائل الطبيب، مقابلات الشخصيات، الصور الملتقطة لأماكن رسمية كالقنصلية، تختلف عن تلك الصور العائلية الحميمة.

كل شيء كان يمضي بدقة وسلاسة في "لقاء في أرض مسلوبة"، كأنك أمام لقاء عائلي معاصر يغرَس في تربة الماضي. ربما من المفيد هنا أن نذكر أن المخرجة نفسها تنتمي لـ"عائلة" أبطالها، ذلك أن إحدى شخصيات الفيلم تذكر عائلة جرجور التي كانت تسكن بجوارها، الأمر الذي تعده المخرجة، في تصريحات سابقة لها، هدية لها أرادت أن تشرك الناس بها، فصنعت هذا الفيلم.
 
ولكن حقا، كم فيلما تسجيليا تحتاج مدينة في حقبة ما لتوثيق سيرتها؟ يبدو أن المدينة، أي مدينة، يمكنها أن تقدم روايات لا تحصى عن حياتها، حيث كل شخصية، كل عائلة، كل بيت، يمكن أن تكون لقاء متجددا في تلك الأرض المسلوبة.

المصدر : الجزيرة