عزة سلطان

في الذكرى الأربعين لرحيلها، بثت شاشة الجزيرة الوثائقية فيلما من جزأين عن المغنية المصرية الشهيرة أم كلثوم، اختار مخرجه أن يعنون الجزء الأول بـ"صاحبة العصمة"، وجاء الجزء الثاني تحت اسم "سيدة مصر الأولى".

أن تقدم فيلما عن مطرب فهذا يعني أن تكون أسير تجربته الشخصية ومشواره الفني، ويبدو واضحا أن المعالجة الموضوعية والبصرية ستسير في ذات الاتجاه. غير أننا أمام فيلم عن مطربة يقدمها من خلال التاريخ.

الاختيار التاريخي والتشابك بين ما هو سياسي وما هو فني سيبدو واضحا في مشوار أم كلثوم، حيث تبدو الاختيارات واضحة. لكل جزء اسم يرتبط بالحكم والسلطة والسياسة. ففي حين يبدأ الجزء الأول من أحداث ثورة 1919 وانعكاساتها على المجتمع بما في ذلك الفن، ورفع الفنان لمنزلة أرقى حين أصبح سيد درويش مطربا للأمة، فإن أم كلثوم تأتي في أجواء مهيأة لانتشارها، وينتهي الجزء الأول في عهد الملك فاروق بما يفسر اختيار الاسم "صاحبة العصمة".

ويبدأ الجزء الثاني بأحداث ثورة 23 يوليو/تموز 1952، وسيقدم الفيلم توضيحا لماذا أصبحت أم كلثوم في مكانة السيدة الأولى حين التزمت السيدة تحية عبد الناصر المنزل، وبدا المكان شاغرا لأم كلثوم.

أم كلثوم زمن طفولتها في الإنشاد الديني برفقة والدها (الجزيرة)

رحلة الصعود
الفيلم بجزأيه يقدم حياة أم كلثوم ورحلة صعودها، في حالة من التشابك بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي وتاريخي، وانعكاسه على الفن ومسيرتها كفنانة انطلقت من أداء الأناشيد الدينية، وحتى اعتلت عرش الأغنية.

بدا واضحا أن صُناع الفيلم قرروا أن تأتي سيرة أم كلثوم بوصفها سيرة أمة. هذا الوضوح الذي ينكشف في اختيارات الضيوف، فالضيفان الأول والثاني مؤرخان، وقد غلب اختيار الضيوف من المؤرخين وعلماء الاجتماع في مقابل عدد محدود من نقاد الموسيقى والفنون.

تصنع قواعد صناعة الأفلام التسجيلية المعدة لشاشة تلفزيونية ضمن ما يُعرف بالدليل الإرشادي حالة من القولبة للأفلام، بل إنها بعد فترة تشكل ذائقة المشاهد. ورغم الاختلاف بين هذه القواعد من شاشة إلى أخرى، فإن تنميط المشاهدة أمر لا يفلت منه كثيرون. هذه القواعد سلاح ذو حدين، ففي حين أنها تصنع معايير واضحة لكل ما يتم بثه عبر إحدى الشاشات، فهي أيضا تمثل قيودا أمام المعالجات البصرية والتي قد يهفو صُناعها لعمل مختلف.

ورغم هذا فإن هناك بعض العاملين في صناعة الأفلام يتحايلون على هذه القيود بإيجاد حلول بصرية مبتكرة، يلجأ شريف عزت مخرج فيلم أم كلثوم بجزأيه إلى عدد منها.

استعرض المخرج الصور الفوتوغرافية الأرشيفية بطريقة مختلفة، حيث وضعها على طاولة مع عدد من الإكسسوارات مثل كتب ومنديل لأم كلثوم نراه في المشاهد التمثيلية، ووسام منحها إياه الملك فاروق وغيرها، وقام بتصويرها في لقطات متحركة، فغير من ثابتها وبدد حالة الملل التي قد تعكسها صورة ثابتة على الشاشة لبعض الوقت.

جاء الفونوغراف والأسطوانة تدور فيه بينما الخلفية بها صوت أم كلثوم حلا آخر قدمه المخرج لينتقل من المقابلات التلفزيونية المشحونة بالمعلومات المتنوعة، سواء عن حياة أم كلثوم أو الوضع الاجتماعي والسياسي في مصر، ويقدم للمشاهد استراحة مع صوت أم كلثوم.

قام أحد الضيوف بعزف إحدى مقطوعات أغاني أم كلثوم على آلة الأكورديون أكثر من مرة، قبل أن يقدم نفسه كأحد العازفين الذين التحقوا بفرقة أم كلثوم، ويحكي قصة التحاقه بها. هذا بالإضافة إلى المشاهد التمثيلية التي تتناول مراحل مختلفة لأم كلثوم، منذ طفولتها وحتى قبل وفاتها بقليل.

جهد بحثي

كوكب الشرق تعاونت مع بليغ حمدي (يسار) سعيا لنقلة جديدة في غنائها (الجزيرة)

خففت شهادات بعض من عملوا في فرقة أم كلثوم (هاني مهنى وفاروق سلامة) من حدة المحتوى وكثافة المعلومات المتاحة عبر الضيوف. ويعكس اختيار الضيوف ذكاء وجهد سيد محمود الباحث والمعد للفيلم، وهو أمر لن يندهش له البعض إذا علموا أنه قد أعد كتابا عن أم كلثوم وشارك في العديد من اللقاءات ليؤرخ لمشوارها.

يستخدم عزت طريقة البناء الدائري في توليفه للفيلم، فبينما يبدأ الجزء الأول بجنازة أم كلثوم، ينتهي بنفس المشاهد تقريبًا الجزء الثاني، وكأنه أراد أن ينتهي من حيث بدأ، في حين تصاعد الزمن في الجزأين بشكل خطي منذ ثورة 1919 وطفولة أم كلثوم مرورا بصعودها وانتهاء بوفاتها عام 1975 في الجزء الثاني.

وضع الفيلم بوضوح عناصر شهرة أم كلثوم مثل الإذاعة وتغيير لونها الموسيقي أكثر من مرة، بالطبع إلى جانب صوتها المميز، لكن أحداثا اجتماعية وتاريخية واقتصادية أيضًا ساهمت في وضعها بهذه المكانة.

مرّ الفيلم سريعا على مرحلة اتجاه أم كلثوم إلى السينما بأفلامها الستة التي قدمتها، إذ صاحب تلك اللقطات على الشاشة صوت المعلق وهو الأمر الذي قد يُثير التساؤل. فأحد الضيوف هو الناقد السينمائي طارق الشناوي، وهناك ضيف آخر ناقد فني وموسيقي هو مؤمن المحمدي، وكذلك الناقد سيد محمود، بما يشير إلى وجود ضيوف كان يمكن أن يتحدثوا عن تلك الفترة، لكن المخرج آثر أن يكتفي بالتعليق، وتأتي مساهمات طارق الشناوي في الفيلم لتثري التاريخ الموسيقي والغنائي.

يقدم الفيلم بجزأيه قصة حياة أم كلثوم وتاريخ مصر في تلك الفترة على نحو مميز بما يفلت المشاهد من قولبة المشاهدة والاستمتاع بقصة تُحكى جيدا عبر الشاشة.

المصدر : الجزيرة