نبيل عجان

نسي العالم كشمير منذ زمن بعيد كما ينسى اليوم بأنانية لا توصف مناطق كثيرة تعصف بها رياح البغض والحرب والدمار.

منذ عام 1989 اختفى في كشمير أكثر من ثمانية آلاف رجل، وقتل على الأقل ستون ألفا. والمعاناة مستمرة.

ثلاث نساء من ثلاثة أجيال يختصرن الظلم الذي يعانيه شعب كشمير في مواجهة نظام قمعي لا يرحم.

تبدأ الحكاية  في فيلم "انظر ما وراء الصورة" الذي شارك في مهرجان الجزيرة العاشر مع الخالة موغلي -كما يسميها جيرانها تحببا- والملقبة بـ"أم كشمير الوحيدة".

تنتظر موغلي عودة ابنها الوحيد نزير أحمد الذي اختطفته السلطات الكشميرية منذ عام 1990. استمرت بالنضال الصامت حتى أصبحت رمزا للنساء الكشميريات اللاتي فقدن زوجا أو ابنا ورحن يتظاهرن في الشوارع بين الحين والآخر حاملات صور أزواجهن أو أبنائهن المفقودين والمفتقدين.

يمكننا أن نستعين بما يقوله نيتشه وكانت، الفيلسوفان الألمانيان، عن الفن الذي يتيح لنا الانخطاف من الواقع المرير سعيا إلى تغيير العالم الخارجي وجعله يتلاءم مع عالمنا الداخلي

تواكب كاميرا المخرج محسن برمهاني حياة موغلي اليومية الممزوجة بالحزن والأمل من منزلها إلى الشارع، ثم إلى أحد الأضرحة في مسجد صغير جميل حيث تلجأ للصلاة والدعاء لابنها. شيئا فشيئا أدركت عبثية وضعها فاستسلمت لقدرها حتى فارقت الحياة في وحدتها من دون ضم ابنها الوحيد إلى صدرها.

رحيل الخالة
اهتم بحكاية الخالة موغلي الفنان وأستاذ الفنون الجميلة في كلية الفنون، مسعود حسين. أراد لقاءها وسأل جيرانها عنها فأخبروه أنها لم تظهر منذ أيام، فاضطروا لكسر باب منزلها ليروها قد فارقت الحياة. اللقاء الذي حصل عليه الفنان في نهاية المطاف كان مع ضريح اختفت في ثناياه معاناة موغلي الطويلة التي دامت طوال حياتها.

إلى جانب الخالة موغلي هنالك شخصيتان مهمتان، مسعود حسين الفنان المعروف في كشمير والمناضل عبر فنه ضد الوضع القائم، ورفيقة التي اختطف زوجها رجال مجهولون يرتدون بزات  عسكرية، ولقد ذهب الزوج بلا عودة.

منذ ذلك الحين اضطرت رفيقة للعمل في الزراعة كما كان يفعل زوجها لتأمين لقمة العيش لها ولولديها، في ظروف قاسية بين نزوات الطبيعة وسوء الأحوال السياسية، وعدوانية حماتها. اهتم مسعود حسين بهاتين القضيتين وجعل منهما موضوع لوحة نراه يعمل عليها طوال الفيلم.

إلى جانب اللقطات الداخلية في بيت موغلي وبيت مسعود والجامع الصغير، عمد مخرج الفيلم إلى لقطات ليلية ونهارية خارجية للمدينة والحركة في شوارعها ثم للطبيعة الجميلة في كشمير، خاصة المقطع الذي يرينا مسعود وبحيرة دال في مدينة سيرناغار "جوهرة تاج كشمير"، حيث نرى من بعيد سلسلة جبال الهملايا والبيوت القوارب التي هجرها أصحابها بسبب الأوضاع الأمنية.

صباح ككل صباح
نساء يتظاهرن أمام مكتب الأمم المتحدة في أحد شوارع  سيرناغار العاصمة الصيفية لإقليم كشمير تضامنا مع عائلة شاب اختفى، وهذا أمر اعتاده السكان.

صباح عادي في كشمير يبدأ بالاحتجاجات والاعتراض والتظاهرات. النساء يحتللن الساحة في حين يقف الرجال وعناصر الأمن على جانب الشارع. المشهد نفسه يتكرر إلى ما لا نهاية، تظاهرات، ومحتجون يرشقون قوات الأمن  بالحجارة التي ترد أحيانا بإطلاق النار والقنابل المدمعة. وبين الفينة والأخرى تتنقل الكاميرا لترينا وجوها جميلة لشبان وشابات وأطفال ترتسم مسحة من الحزن على وجوههم إلى جانب عناصر الأمن المتجهمين وكأنهم رجال آليون.

بعد مرور سنة ونصف تعود الطائرة بطاقم التصوير إلى كشمير لتكملة الفيلم التسجيلي، هذا الذي بدأ تصويره قبل سنة ونصف. نرى أولاً منظرا طبيعيا مع مجموعة من البيوت المتناثرة هنا وهناك بشكل عشوائي، وتركز الكاميرا على أسلاك شائكة وعصافير.

الصورة الرمزية واضحة هنا وتدل بقوة على إرادة الانعتاق من القيود المختلفة ورسم أفق جديد يتيح التحليق في سماء الحرية. ويمكننا أن نستعين هنا بما يقوله نيتشه وكانت، الفيلسوفان الألمانيان: الفن يتيح لنا الانخطاف من الواقع المرير سعيا إلى تغيير العالم الخارجي وجعله يتلاءم مع عالمنا الداخلي. كما يساعدنا على إعادة خلق العالم -إذا صح التعبير- عبر الأعمال الإبداعية، إنها إعادة خلق الفردوس المفقود. وبهذا تكون شخصية الفنان مسعود حسين هي المحرك الأساسي لوقائع هذا الفيلم التسجيلي.

موغلي تجسد الجيل الأول، أما الجيل الثاني فتمثله رفيقة التي اختُطف زوجها مصطفى أحمد خان المزارع وكان في الرابعة والعشرين من عمره في يوم ماطر، يوم 14 أبريل/نيسان 1997، مما اضطرها للكفاح من أجل تأمين لقمة العيش لعائلتها.

تنتمي مخداش طالبة الفنون للجيل الثالث، وهي بنت الفنان مسعود حسين. لا ترى مخداش أي أفق أمامها وهي أقرب إلى أبيها من أختها سنا التي أنهت دراستها  في إدارة الأعمال، ثم تزوجت وهي الآن تتأهب للسفر إلى قطر حيث يعمل زوجها.

لن تكتمل اللوحة

يقف عناصر الأمن على جانب الشارع لمراقبة تظاهرات نساء كشمير (الجزيرة) 
يتيه مسعود في لوحته التي أراد أن يوثق من خلالها واقع كشمير ويقول: " أنا أشعر بالحزن حين أنظر إلى عملي هذا لأنه خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة ساءت الأوضاع هنا كثيرًا". يكتب في أسفل اللوحة ستستمر مهمة موغلي بعد وفاتها.

ويضيف "أنا حزين وأشعر أننا ذاهبون إلى لا مكان، عملي هذا لم يكتمل في الحقيقة. أبحث عن أحد يضمد جراحنا. لن أوقع هذه اللوحة بل سأمزقها". يأخذ شفرة ثم يمزق لوحته بألم وينفجر باكيا.

ينتهي الفيلم بلقطة للمطر والطيور التي تخترق المشهد فوق بيت موغلي. نرى رفيقة والثلج يغطي الأرض. يطل مسعود من وراء النافذة في حين تخرج ابنته من المنزل. "مصيرنا مجهول، لماذا لا يستطيع الناس العيش بسلام؟ أظن أن لا نهاية لهذا الوضع. لا أحد يهتم".

تمتزج الصور القاتمة مع صور الطبيعة الخلابة في هذا الفيلم التسجيلي. فالكاميرا ترصد الواقع وتحيلنا أحيانا عبر بعض اللقطات إلى واقع آخر مرتجى. الكلمة الأخيرة للفن وإن عبر مسعود عن يأسه القاتل من خلال تدمير لوحته التي كانت تمثل بالنسبة له خشبة خلاص رمزي من جحيم المعاناة، ولكن الإبداع الفني لا يموت فمن رماده يعود للحياة كالفينيق.

المصدر : الجزيرة