لإنتاج فيلمها "أنشودة العقل" (61 دقيقة) قضت المخرجة الإماراتية أمل العرقوبي رفقة فريقها ثلاثة أشهر تتنقل بين دبي وأبو ظبي، حيث يعيش الطفلان محمد وخليفة المصابان بمرض التوحد في عالمهما الخاص، بينما تحاول المعالجة ماريون تننت أن تلجه بنغمات أدواتها الموسيقية.

نال "أنشودة العقل" جائزة الجزيرة الوثائقية في الدورة العاشرة من مهرجان الدوحة. والفيلم الذي أنتج عام 2013 أول عمل تسجيلي لأمل العرقوبي.

كنت أختبئ تحت طاولة وأعطي الأوامر للمصور عن طريق السماعات وكان المصور يلتصق بفني الصوت حتى يصبحوا كالشخص الواحد ويتجنبوا الحركة والكلام

في السابق كانت أمل عندما تسأل المختصين عن أهم المعارف حول الأمر يكادون يجمعون على أن تلك المعارف تجمع فقط من خلال العمل الميداني، وهو ما اصطدمت به في البداية، حيث لم تكن تدرك أن عليها الحصول على إذن للتصوير في الشارع، ولكن شيئا فشيئا تقدمت وتعلمت الكثير.

عن الصعوبات التي عرفتها في فترة العمل قالت:
 - كانت هناك صعوبات التواجد مع الناس في بيوتهم في أغلب الوقت. فأنت عندما تقول للأهالي إنك ستصور لا يدركون الأمر حتى يعايشوه. لذا كانت هناك مضايقات خاصة في بيت الشاب محمد حيث كنا ندخل الغرف فجأة حتى نحظى بلقطات جيدة تبدو طبيعية وغير محضرة. وشيئا فشيئا أيضا مضى ذلك وتم.

ولن أنسى عندما اكتمل الفيلم، فقد قَلِقت كثيرا من عرضه للأهالي خوفا من رفضهم أو طلب حذف بعض المشاهد حتى إنني فكرت بالعدول عن إطلاعهم عليه، لكن في النهاية لم أتمكن من تجاهل حقهم في ذلك وتخطينا تلك العقبة أيضا.

كما كانت لدينا مشكلة في التمويل لأن التوحد مرض غير معروف كثيرا، والناس لم يقتنعوا بعد بضرورة عرضه ومساعدة من يعانون منه. أخيرا بعد الكثير من السعي حصلنا على بعض الدعم ورصدنا نحن أيضا في مؤسسة العرقوبي ميزانية، لكن ظل النقص المادي يؤثر، إذ كان من المفترض أن نستعين بأخصائيين في المونتاج ولم يتم ذلك وكان بودنا أن نستعين بالرسوم المتحركة لكنها كانت مكلفة.

 وجود طاقم تصوير ربما أثر على المسيرة العلاجية للمرضى. كيف تحملتم مسؤولية ذلك وما محاولاتكم للتغلب عليه؟

- للتغلب على التأثير على فترة العلاج كنا نصور أسبوعا وننقطع أسبوعا، حتى نعطي فرصة للتحسن ولأن المعالجة قالت إن وجود طاقم تصوير وأجهزة يؤثر في جلسات علاج الولدين. كما كنا نحاول الحضور بأقل عدد، فكنت أنا أختبئ تحت طاولة وأعطي الأوامر للمصور عن طريق السماعات وكان المصور يلتصق بفني الصوت حتى يصبحوا كالشخص الواحد ويتجنبوا الحركة والكلام.

وقد قرأت الكثير من الأخبار عن مرض التوحد خلال التحضير للفيلم وزرت الكثير من المراكز والتقيت بعض المعالجين، والطريقة التي اخترناها لتجربة علاج التوحد  لم تكن معروفة كثيرا ولا مقنعة لدى أهالي المصابين والتي هي العلاج بالموسيقى.

فعندما عرضنا الفيلم في مركز التوحد في أبو ظبي وكان معظم الحاضرين من أمهات أطفال التوحد وعائلاتهم قالت لنا أم إن الأطباء خيروها بين العلاج بالرياضة (كرة القدم مثلا) أو الموسيقى لكنها استبعدت أن ينجح العلاج بالموسيقى ولكنها اليوم رأت التأثير الكبير والسريع لهذه الطريقة.

المشكلة الكبيرة التي يعاني منها مريض التوحد بعد تحسنه في الكلام والتغلب على الخوف هي أنه لا يدرك ماذا تعني تعبيرات الوجوه، فهو لا يعرف أن أمه عندما تبتسم له تفرح به وعندما تكشر فهي مستاءة منه، لذا يركز الجزء الموالي من العلاج على تعليمه الانطباعات المرسومة على الوجه.

video

إنها معركة صعبة وطويلة يلزمها ابتكار في طرق العلاج وصبر متواصل من الأهالي والمعالجين، وما أوردناه في الفيلم جزء صغير من تجربة تحاول أن تخترق عالم المتوحدين وتحثهم على تفريغ مشاعرهم عن طريق الموسيقى. 
 ما الذي دفعك لاستخدام الرسم بالرمل الذي كان حاضرا بوضوح في الفيلم؟

- في الفيلم استخدمنا الرسم بالرمل وسيلةً للقطع بين الشخصيات وتقديم المعلومات تقديما مختلفا، وكان من المفروض أن نستخدم الرسوم المتحركة لكن اخترنا الرسم بالرمل لما يرمز إليه من إبداع واستخدام وسائل بسيطة ومتوفرة، وهو وسيلة صامتة تتماشى مع عالم التوحد وتكشف مواهب مفاجئة.

ماذا تخططين لترويج الفيلم تعميما لرسالته؟

- نبرمج الآن لعرض الفيلم في أميركا وأوروبا في المدارس والجامعات وبعض المؤسسات، ونسعى لإشراك الأطفال والمراهقين في تثبيت الأفكار الواردة فيه عن طريق نقاشات تتم بعد عرض الفيلم وأسئلة مثل: "ما أكثر شيء يزعج الطفل خليفة"؟  أو "ما هي الوسيلة التي يلجأ إليها الولد محمد عندما ينزعج كثيرا؟". كما نفكر في عرضه على رحلات الطيران مثل الخطوط الإماراتية والطيران القطري وبعض الخطوط الجوية الأخرى.

المصدر : الجزيرة