زكريا جابر

"طوفان في بلاد البعث" فيلم تسجيلي سوري من إخراج المخرج السوري عمر أميرالاي الذي ولد عام 1944 وتوفي يوم 5 فبراير/شباط 2011 إثر جلطة دماغية في بيته بدمشق. تتميّز أفلام أميرالاي بنزعتها النقدية السياسية والاجتماعية، ومن أهم الأحداث التي كان له دورٌ بارز فيها ربيع دمشق عام 2000.

يبدأ الفيلم بإيقاع بطيء عارضا مقابلات مع طلاب ومعلمين وحتى مسؤولين حكوميين يتلون شعارات تمدح "الرئيس القائد" وتمجّد "حزب البعث"، ويُعدّ إدانة قاسية للنظام السوري عبر تصويره للآثار الاقتصادية والاجتماعية الكارثية المدمرة التي لحقت بالمجتمع السوري بعد 35 عاماً من حكم البعث.

ويتناول الفيلم الآثار المترتبة على سياسات حزب البعث في سوريا دون إدلاء أي تعليق أو انتقاد، إذ يعرض الآثار المدمّرة على قرية "الماشي الصغيرة" التي تديرها محافظة الرقّة والتي تبعد عن مدينة دمشق 400 كلم شمالاً بعد بناء سد الفرات.

قبضة الرقابة
بالإضافة إلى التطرق السياسي والثوري على موضوع كهذا، لم ينفذ "طوفان في بلاد البعث" من قبضة الدكتاتورية الفكرية (البعث والرقابة)، وهو كمعظم أعمال المخرج عمر أميرالاي محظور في سوريا.

يأتي أميرالاي من ثقافة جذرية، مشاكسا وغير خائف من قول الحقيقة، رغم أن ذلك كلّفه منع أفلامه من العرض، ورحيله عن بلده في منفى قسري، واعتقاله وحجز جواز سفره أكثر من مرة على يد النظام البعثي
وبالتطرق إلى موضوع تعاون أميرالاي مع الهيئة العامة للتلفزيون والسينما في سوريا، فإن معظم أعماله كانت ممولة من تلك الهيئة الداعمة المدارة من قبل وزارة الثقافة السورية التي هي تحت حكم البعث الذي كان يعارضه المخرج.

درس أميرالاي المسرح في جامعة "مسرح الأمم" بالعاصمة الفرنسية باريس عامي 1966 و1967، ثم التحق بالمعهد العالي للدراسات السينمائية في باريس، وعاد إلى دمشق عام 1970.

يوجّه أميرالاي تحية لأحد أكبر مشاريع التطوير السورية في فيلمه الأول "محاولة عن سد الفرات" (1970)، قبل أن يتخذ موقفا نقديا واضحا منه في فيلميه التاليين: أوّلا في فيلم "الحياة اليومية في قرية سورية" (1974) الذي يبيّن فيه التأثير السلبي لبناء السد على حياة الأشخاص العاديين في إحدى القرى الواقعة على نهر الفرات، وثانياً في "طوفان في بلد البعث" الذي أنجزه في زيارة ثانية للمكان عام 2003.

معظم أفلام أميرالاي تخضع لسلطة الرقابة السورية، ومعظمها منعت من العرض في سوريا. لكن قبل وفاته، حمّل المخرج عددا منها على موقع "يوتيوب" ليتمكن الجميع من مشاهدتها.

يأتي عمر أميرالاي من ثقافة جذرية، مشاكسا وغير خائف من قول الحقيقة، رغم أن ذلك كلّفه منع أفلامه من العرض، ورحيله عن بلده في منفى قسري، واعتقاله وحجز جواز سفره أكثر من مرة على يد النظام البعثي كان آخرها في سبتمبر/أيلول 2010.

 كان للمخرج دور رئيسي في ربيع دمشق عامي 2000 و2001، وكان أحد مهندسي بيان "الـ99" الشهير عام 2001، ووقعه 99 مثقفا سوريا طالبوا برفع حال الطوارئ وإطلاق الحريات العامة والإفراج عن المعتقلين السياسيين.

كان رد الرئيس السوري بشار الأسد على تلك النهضة أنه لم يقرأ البيان، متهما الموقّعين عليه بأنهم مدسوسون من الخارج، وأضاف "شخص يخاطبك من خارج بلدك فمن الطبيعي أن لا تهتم به.. النقطة الثانية، لقد سُمّيت بيانات مثقفين، هل هم مثقفون فعلاً أم ماذا؟".

النمط البطيء
النمط الإخراجي البطيء الذي اعتمده أميرالاي في هذا الفيلم يصمم جوّا من الإضاءة والتصوير المناسبين للموضوع. الداكن يسيطر على كل مشاهد الفيلم، والتعديل اللوني وتغميقه يشددان على غماقة الدكتاتورية التي دفعت المخرج لتصوير هذا الفيلم.

أميرالاي: لا أستطيع إلا إدانة أدوات حزب البعث لتشويه أكثر من جيل (الجزيرة)

يقول أميرلاي في مقدمة فيلمه "حول بحيرة الأسد، يمتد اليوم بلد اسمه سوريا الأسد.. من سوريا الجديدة هذه اخترت قرية. هذه القرية وأهلها وحتى بئر الماء فيها اسمها الماشي.. قرية يحكمها شيخ عشيرة هو نائب في مجلس الشعب، يعاونه لبن أخيه مدير المدرسة ومسؤول الحزب.. إنها بعبارة أخرى عيّنة من بلد يحكمه حزب البعث منذ أربعين عاما من دون منازع".

هذا الفيلم يرصد عملية غسل أدمغة الأطفال الأبرياء وتلقينهم شعارات البعث. لغة الفيلم فوتغرافية فعلا، لكن المراد منها حث المشاهد على قراءة ما وراء الشفاه والحركة والصوت.

فالسوريون فاقدون لملكة النطق والتعبير الحر منذ تأسيس البعث، ويكفي أن يتابع المرء مقابلات التلفزيون السوري مع الناس العاديين وغير العاديين ليصعق حيال حجم الدمار الذي لحق بلسان الفرد وتعبيره، خصوصاً عند الشباب والأطفال. لذا فإن شخصيات الفيلم -وبشكل خاص تلاميذ المدرسة- ينطقون بلسان غير لسانهم، وبأفكار غير أفكارهم.. الصورة صورتهم والكلام لغيرهم.

عن الفيلم يقول أميرالاي إن "هذه وثيقة لا يمكن لأي نظام قادم أو أي شخص كان متلبسا بحكم البعث أن ينكر يوماً كيف كانت تتم عملية تدجين وغسل دماغ وعسكرة الأطفال الأبرياء في المدارس الحكومية السورية وإدارتها كسجون.. لا أستطيع إلا أن أدين الأدوات التي اعتمدها حزب البعث لتشويه أكثر من جيل".

المصدر : الجزيرة