سهى صباغ*
 
المسيحيون في الشرق وبالتحديد في منطقتنا العربية، خاصرة ضعيفة.. هكذا ينظر آخر احتلال في العالم ويسعى لمسعى لم يكن في يوم إلا تكرارا لما تخطط له أي قوة استعمارية: تفتيت الهوية الجامعة.

هل تلحق المسيحيين معاناة المسيح منذ أن تشردت والدته مريم وهو في بطنها كي تنجو به، ومن ثم ولدته وما عرف الأمان ولا الطمأنينة، ما دام بنو صهيون وراءه، يحاولون تعقبه وتهديد حياته؟
وسيم خير مخفورا في الطريق إلى السجن لرفضه خدمة جيش يقتل شعبه (الجزيرة)

فيلم "لن نخدم جيشكم" يسلط الضوء على تجنيد العرب في الجيش الإسرائيلي. يتم التركيز على الأقليات.. الدروز هم الأعلى نسبة في صفوف المجندين، وربما الأكثر حرمانا من بقية المواطنين في سبل العيش، يليهم المسيحيون والمسلمون.

أما بالنسبة للمسيحيين الذين يركز عليهم الفيلم، فعددهم لا يزيد عن المئات، عكس ما يروج له العدو الإسرائيلي وأعوانه القليلون المنخرطون في مشروع التجنيد.

باسل فرح شاب مسيحي أرثوذكسي، مناهض للخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، تعرض للتوقيف بتهمة تنظيم نشاطات غير قانونية، حسب رأيهم.. هو يعي ما جرى لأجداده، ويرفض الإذعان لطلبات التجنيد.

جبرائيل نداف سجل ابنه في الجيش الإسرائيلي بعد يوم من تسجيل نتنياهو ابنه (الجزيرة)

يتحدث مع جدته جلنار فرح على سطح البيت.. يسألها عن المجازر التي تعرضوا لها في قرية عيلبون، وتروي له.

هذه الراسخة في الأرض، تسكن منذ خمسين عاما في حيفا، تتكلم في عناد وإباء، فنعرف من أين أتى هذا الحفيد. تقول له "هل اليهودي يذهب ليقتل يهوديا آخر في فرنسا مثلا؟"، وتتابع "عربي يقتل عربي.. وين صارت هاي؟!".. يسألها حفيدها عن شعورها حين ترى فلسطينيا وقد تجند في الجيش الإسرائيلي، فتجيب بأنها تتقطع عند رؤيتها هذا المشهد.

الكاميرا تمر على أحياء تشعر المشاهد بدفء وحميمية الأماكن.. جدران من الحجر العتيق لا تبدو مرحبة بجندي طارئ يصوب سلاحه إلى وجه طفل.

هوية الجدران في نظر الجندي ينبغي استباحتها بقتل أصحابها. أما إذا لم يقتلوا فإن الرهان الأكبر على جعلهم يعيشون حياة تابعة للنموذج الاحتلالي.

يبدأ المحتل باعتبار الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت، ولأن التاريخ لم يسجل إلا نادرا جدا إبادة كاملة للبشر، فإن المحتل يتغاضى عن جهده الإبادي ما دامت الضحية يمكن لها أن تكتفي بالعيش خلف حذائه.

الجدة جلنار توصي حفيدها: العربي لا يقتل عربيا (الجزيرة)

كان مشهد رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في الفيلم بالغ السماجة (هذه صورة غير معتادة لوصف شخصية احتلالية كالمتغطرس والمتجبر واللئيم).

يعتلي نتنياهو المنبر ليقول لحشد إنه رافق ابنه الذي تطوع للتجنيد في مكتب التجنيد بالقدس، ثم ليلحقها مشيرا إلى رجل الدين الفلسطيني المسيحي جبرائيل نداف الذي هو أيضا رافق ابنه إلى مكتب التجنيد في طبريا.

نداف المتحمس يعرب عن انتمائه لمؤسسة المحتل باللغة العبرية الفصحى.

أما شادي خلول المسيحي الماروني فقد انتمى إلى وحدة المظليين الإسرائيليين، يعتبر أن عليه أن يكون مخلصا لدولة إسرائيل لكونه يعيش فيها.

بل أكثر من ذلك وهو الأهم، أن مدخل خلول التبريري أنه آرامي وليس فلسطينيا، أي أن العار لا يلحقه لأن خدمة الاستعمار يمكن أن تكون آرامية فقط!

لنلاحظ أن المستعمر يفرض علينا أن نسمي الهويات المفتتة بحسب الفخ الذي نصبه لنا.. هو ينجح في ذلك لأنه قوة استعمارية تشتغل ليل نهار على تقسيم الكتلة الواحدة.

أما الصف المقابل الذي يرفض أن يعطي الاحتلال شهادة حسن سير وسلوك، ففيه الأغلبية التي يقع عليها دور عظيم ليس في رفض مؤسسة المحتل، بل في التأكيد أن من ينخرط في خدمة هذه المؤسسة هو فلسطيني معزول وليس طائفة معزولة.

ميشيل صباح: خدمة الجيش الإسرائيلي خيانة للذات والشعب (الجزيرة)

يأخذ الأب ميشيل الصباح حصة مقدرة من الفيلم وهو يستحقها بالفعل، ساخرا من محاولة تمييز الآراميين عن المسيحيين، ويقول: نحن عرب فحسب، وهذا يرجع إلى أزمان بعيدة.. هذا كل شيء.. لن نرضخ لتقسيماتهم.

بل إنه لم يتردد في وصف من ينضوي تحت جيش إسرائيل بأنه خائن، "هذه خيانة للشعب، خيانة للذات، وخيانة لإسرائيل.. هل من يخون ذاته يخلص لإسرائيل؟".

من هو الفلسطيني قبل مؤامرة الاستعمار التي وعدت بما لا تملك لمن لا يستحق؟ إنه الفلسطيني بما هو اليهودي الذي يعيش فيها، كما يقول الأب صباح.

أما المسيحي فليس إلا من باب توصيف الأشياء التي نضطر إليها الآن في هذه اللحظة الرديئة. علينا أن نعيد التذكير على لسان عضو الكنيست الإسرائيلي باسل غطاس أن المسيحي جزء أصيل من الحضارة العربية "يصعب سلخه".

يذهب الشاعر الفلسطيني مروان مخول إلى أن استهداف المسيحيين الفلسطينيين مرده دورهم الكبير في العمل القومي العربي.

استطاع فريق الفيلم أن يصل إلى جندي عربي -لا يظهر وجهه- يكشف مصير من يصبح جنديا بأمل أن يحقق مكاسب، فيكون أمام مواجهة الحقيقة: إن الجيش الذي يسمى جيش الدفاع الإسرائيلي ما هو إلا جيش احتلال "يريدون كل شيء تحت سيطرتهم، ويعتبرون الأرض لهم".

يكمل الجندي الذي يظهر منه سلاحه وبذلته العسكرية فحسب، "أنا أخجل أن أرتدي ثياب التجنيد.. الكل ينظر إلي باحتقار.. لن أدع ابني يفعل مثلي.. سيذهب حقه كمواطن عربي".

أما الحراك المنتظر ضد التجنيد فيبرز في نزول الشباب إلى الشارع في حملات توعية، حاملين لافتات كتب عليها "أنا ما ببيع أرضي" وشعارات مماثلة.

حراك جماهيري فلسطيني ضد محاولات تجنيد فلسطينيين في الجيش الإسرائيلي (الجزيرة)

يبرز كذلك الممثل الفلسطيني الدرزي وسيم خير الذي يشعر بالإحراج حين يتكلم بمنطق طائفي، وهو الذي انسحب من التجنيد بجيش عدوه، يستخدم المسرح كمنبر للتعبير عن وطنيته ورفضه للاحتلال وللتجنيد.

وسيم رفض الخدمة وواجه السجن.. كان بإمكانه أن يوقع على ورقة تقول إنه لا يستطيع الخدمة "لخلل في عقله"، لكنه رفض التوقيع على أن يكون معاقا عقليا.

الإعاقة العقلية هي أن تصبح الضحية أقل جدارة بأن تنتمي إلى أرضها.. أرضها التي قال محمود درويش إنها "تورث كاللغة".

فيلم "لن نخدم جيشكم" من إخراج: عصام بلان، وفكرة: موسى دياب، وإنتاج: الديار وموسى دياب، وموسيقى: كارمن مطر.
______________
* كاتبة لبنانية

المصدر : الجزيرة