شارلوت جانون*

- كانت تقول لي إنها تحبني كأختها
- وهل كانت أختًا بالنسبة لك؟
- كنت أحبها كربّة عمل، كربة عملي.

عند وفاة جدتها، عادت جوليانا التي عاشت خارج البلاد إلى المكسيك والتقت بالـ"موتشاتشاس" (الخادمات) في عائلتها، وقررت أن تولي اهتمامها لهؤلاء النساء الصامتات، اللواتي عرفتهن دائما، ولكن من دون أن تعرفهن حقا، هؤلاء اللاتي يجسدن المكسيك الأخرى البعيدة كل البعد عن مكسيك طفولتها.

ملصق فيلم "موتشاتشاس" للمخرجة جوليانا فانجول

تكمن قوة "موتشاتشاس" في أنه فيلم مجبول بالحساسية والإنسانية، ولكنه أيضا فيلم قاس يجسد شهادة تجمّد الدم في العروق. ما يثير الانتباه قبل كل شيء هو الجمال وحضور النساء الثلاث اللاتي نتبعهن: رومي، ولوبيتا، ودولوريس. الكاميرا ترصدهن دائما وهي أقرب ما يمكن من أجسادهن ومن وجوههن التعبة ولكن المفعمة بالحياة، مقابل "أسياد" غائبين، نظراتهم تعبر عن السأم.

نتبعهن في أعمالهن اليومية: تنظيف المنزل والطبخ والغسيل. حركات مرهقة ومكررة ألف مرة، ومع ذلك ينساب منها جمالية ما بشكل عجيب: جمالية المهارات والانتماء للحياة، في حين أرباب العمل يبدون غالبا تائهين، هائمين ضجرين أو مضجرين.

غير المرئيات
يعملن بصمت، غير مرئيات، مع أنهن يمثلن في الفيلم مصدر الدفء الوحيد في وسط هذه الشقق الكبيرة الباردة والعبثية، وكأنهن الأرواح التي تحافظ على الحكاية والأماكن المهجورة.

وفي لحظة ما نرى السيدة كوكس ربة عمل. تسألها عن المكان حيث يمكن طلب المشتريات التي يجب شراؤها. إنه مشهد ساحر: من جهة نرى سيدة فاحشة الثراء ترتسم المعاناة على ملامحها وتبدو كأنها تائهة تماما. ومن جهة أخرى موظفتها الحاضرة كليا مع كرامتها الكلية التي تجلب معها الواقع، والخضار الملموسة أو وصفة الطبخ الحقيقية.

والنساء الثلاث اللاتي لا يصغي لهن أحد (وهل يفكر أرباب عملهن على كل حال في أن لديهن شيئا يقلنه؟) يعترفن ويتكلمن عن طفولتهن وعن قصص الحب التي عشنها أو عن غياب الطفولة والحب لديهن.

تتصاعد هذه الكلمات الحميمية المؤلمة مع المشاعر في كل لحظة ولكن من دون التحول إلى حساسية زائفة: هنالك دائما شيء ما رقيق ورزين في الصور ولكن محتواها شديد القسوة.

الحقيقة الفجة
تكشف هذه الدقائق الثلاث والستون عن لحظات مفعمة بالألم وكأن الحب الذي تظهره المخرجة لهذه النساء لم يكن بإمكانها التعبير عنه سوى عبر نظرة موضوعية، وحيادية حول الحقيقة الفجة لظروف حياتهن مقارنة مع وضعها الشخصي المميز.

وأحيانا نرى تفصيلا: علبا كرتونية يمكن أن نقرأ عليها "كتب تعليمية"، موضوعة إلى جانب جدار. ثم نرى غرفة أطفال. وبعد ذلك بقليل، تشرح لنا دولوريس التي تعمل مدبرة منزل أنها كانت ترغب بالذهاب إلى المدرسة للتعلم، ولكن رب عملها السابق منعها من ذلك، لأنه كان يحتاج لمن يعتني بابنه.. أو في منتصف الفيلم، مشهد عادي صور برزانة ولكنه بالكاد يحتمل.

تحضر لوبيتا الطعام لضيوف السيدة كوكس، ويبدو الإرهاق عليها، ولكن عليها هي أن تفتح الباب للضيوف وتستقبلهم، في حين تبقى سيدتها مسترخية في الصالون. والضيوف بالكاد يلقون التحية عليها. ومن ثم يُقدم الطعام.

وتدور الأحاديث حول السينما. يملأ الضيوف صحونهم ببطء من دون النظر تقريبا إلى لوبيتا التي تنتظر وكأنها كائن شفاف خفي، وهي تحمل الأطباق الثقيلة على أيديها. أحيانا يتوجهون إليها بدعابة صغيرة أو ابتسامة أبوية. لأنه بالنسبة لأرباب العمل الخادمات اللواتي يدفعون لهن أجرا بخسا ويسحقونهن تحت ثقل المهام المرهقة التي يجهلون طبيعتها تماما، ثم يشكروهن بقبلة بتكلف على الوجنتين أو ابتسامة عطف على غرار أهل كرماء تجاه أولادهم، حين يودعوهن بعد انتهاء السهرة، هؤلاء الخادمات ينتمين للعائلة التي يعملن لديها.

والأفظع المسافة اللامتناهية للنظرة بين هاتين المجموعتين الاجتماعيتين التي ترمز إليهما الطريق التي لا تنتهي التي نتبع عبرها لوبيتا وهي تعود لبيتها لتضع من جديد مئزرها "كخادمة" في بيتها الخاص.

وبهذا يبدو وضع المخرجة ملتبسا، وجميلا. لا تخفي أنها تقف في الجهة الجيدة من الجدار، ونتساءل أحيانا بأي حق توجه هذه الأسئلة المؤثرة أحيانا لهؤلاء النساء؟

هذا الفيلم التسجيلي يشهد على واقع له في الوقت ذاته وقع كفعل ندامة تقريبا، مع الرغبة بالعبور إلى "الجهة الأخرى"، وتهديم الجدار واسترداد الزمن الضائع. والعلاقة التي نراها تنسج بينها وبين موتشاتشاس، وهي متأرجحة دائما بين التحفظ والعاطفة، تعج بأشياء لم تقل، بالغضب، وبآلام الحب المهموسة، وهذا يجعلنا نتأسف إلى حد ما بسبب التعليقات عبر الصوت خارج الصورة التي تشرح بقدر مبالغ فيه ما تقوله هذه الصور وهذه الحوارات الصامتة بشكل صارخ.

بصمت تعمل الخادمة.. غير مرئية رغم أنها تشيع الدفء في البيت
طموحات ضحي بها، حيوات نساء تنساب بصمت. فيلم رائع، على غرار ريمي ودولوريس ولوبيتا، يترك أثرا لا يزول كنسمة هواء.

موتشاتشاس لجوليانا فانجول، إنتاج 2015 ،63 دقيقة، دقة عالية، ملون، سويسرا، المكسيك.
مهرجان ريفييرا مايا في المكسيك في أبريل/نيسان 2015.
مهرجان ميونيخ للأفلام الوثائقية في مايو/أيار 2015.
مهرجان غواناخواتو الدولي للأفلام التسجيلية في المكسيك في يوليو/تموز 2015.
مهرجان الواقع في نيون في أبريل/نيسان 2015.
اللجان العامة للفيلم الوثائقي في لوساس في أغسطس/آب 2015.
--------------------

*كاتبة فرنسية

المصدر : الجزيرة