سهى صباغ*

ما زالت لقمة العيش تمشي أمام الإنسان وهو يلحق بها أينما كانت. 12 مليون مهاجر مكسيكي يقيمون في الولايات المتحدة، معظمهم دخلوا بشكل غير نظامي. فيلم "معركة الهجرة إلى أميركا" يُرَكز على معاناة المكسيكيين المقيمين، وملاحقتهم لإلقاء القبض عليهم بأية مناسبة لتسفيرهم إلى بلادهم، حتى إن سبَّب ذلك إبعادهم عن جزء من أفراد عائلاتهم.

خوسيه أحد المهاجرين غير النظاميين. أول مخالفة له كانت بعد عشر سنوات من قدومه إلى أميركا. اضطر أن يعمل سائقا بطريقة غير قانونية ليُعيل عائلته، لا حل آخر. بعد عشر سنوات وخلال البحث عن مخالفين، صودرت رخصة القيادة منه ورحّل وأبعد عن عائلته بعد 21 عاما بعيدا عن المكسيك.

موظفو "آيس" يوقفون كل من تبدو عليه ملامح من أميركا اللاتينية (الجزيرة)
من يُشاهد الفيلم تخطر في باله أسئلة عديدة لم تتم الإجابة عنها من خلاله. ركز الفيلم على قضية الترحيل، وجال على المعنيين بهذا الموضوع. لم يأت على ذكر الأسباب التي أدت بالمكسيكيين لترك بلادهم منذ ما قبل القرن التاسع عشر حتى اليوم. من تلك الأسباب: عدم توافر فرص العمل، ومعاناتهم من العنصرية الهرمية أو الطبقية في بلادهم، فهل حصلوا في الولايات المتحدة على العدالة العرقية؟
 
حصل المكسيكيون في أميركا على حق الانتخاب الذي لطالما طالبوا به، كما طالبوا بحق التعلم وأمور أخرى لم تُحقق.
 
في الانتخابات الرئاسية الثانية فاز باراك أوباما بنسبة 70% من أصوات الناخبين من أصول لاتينية. كان قد وعدهم بخطة إصلاح قوانين الهجرة، وبمشروع يمهد للمواطنة. فشلت تلك الخطة، بل تفوق أوباما على كل من سبقه من رؤساء وأبعد مليوني شخص، مُعيدا إياهم إلى المكسيك. تسلمتهم السلطات المكسيكية التي كانت مستفيدة أصلا من هجرتهم، فهم كانوا يبعثون بالمال إلى أسرهم، فينتعش اقتصاد البلاد بسببهم.

بكى خوسيه لانسلاخه عن عائلته حين وصل إلى ملجأ إيواء اللاجئين العائدين.
 
من احتجاجات التحالف اللاتيني من أجل حقوق الإنسان (الجزيرة)

ثمة برنامج  يدعى "كيري"، وهو اختصار لمبادرة التخلص من المجرمين الأجانب، وضعته إدارة قوانين الهجرة والجمارك "آيس". وهو موجه لمن يشكلون بالنسبة لهم تهديدا جديا على الأمن في البلاد، ومن يسمونهم بالمجرمين الغرباء. كان ضحية ذلك كثير ممن دخلوا البلاد بشكل غير نظامي.
 
وموظفو "آيس" سوف يقتحمون الحلقات الدينية، ووحدات سكنية، وسيوقفون كل من تبدو عليه ملامح من أميركا اللاتينية، ويأخذون بصماته، حتى لو كان هذا تصرفا غير إنساني، بحسب "هاسنتا غونزاليس" من مركز عمال نيو أورلينز للعدالة العرقية. سيعتقلون من يُثير الشبهات، أو من لديه أي مخالفة سابقة أو سجل جنائي، حتى لو كان بسيطا، ومن ثم سيتم ترحيله.

أثارت هذه المعاملة سخط المهاجرين، وتجمعوا في مركز عمال نيو أورلينز للعدالة العرقية، وكانوا يخبرون بعضهم عن معاناتهم. قاموا بمظاهرات ونزلوا إلى الشارع. عطلوا المرور للفت الانتباه إلى قضيتهم. تم اعتقال بعضهم وترحيلهم.


مهاجرو المكسيك يواجهون مبادرة التخلص من المجرمين الأجانب (الجزيرة)
بعد إعصار كاترينا قبل عشر سنوات، قَدِم الكثير من عمال المياومة من المكسيك للمساعدة في إعادة البناء وتنظيف الشوارع ومساعدة الناس في العودة إلى منازلهم. تقول إحدى المهاجرات "والآن يُريدون طردنا ورمينا كالقُمامة".

الجدير ذكره أن المهاجرين المكسيكيين كانوا قد حصلوا على فرص للعمل منذ الحرب العالمية الأولى، وأصبحوا جزءا كبيرا من القوى العاملة في الصناعات -مثل صناعة تعبئة اللحوم- في جميع أنحاء الغرب الأوسط، وفي الزراعة في جنوب شرق الولايات المتحدة الأميركية، وفي البناء والعمل في المطاعم والفنادق وغيرها.

كثيرون من المهاجرين وقفوا ضد التمييز العرقي، وكثيرون منهم أيضا تمسكوا وكافحوا من أجل الحفاظ على هويتهم في المجتمع.

وبما أن فيلم "معركة الهجرة إلى أميركا" عرض لمعاناة المهاجرين المكسيكيين، كان لا بد من ذكر الولايات، التي تركز فيها هؤلاء المهاجرون، والتي كانت في السابق تنتمي إلى المكسيك، كولاية نيو مكسيكو وأريزونا وكاليفورنيا وكولورادو وتكساس وغيرها. هل هم يُطردون من بعض أراضيهم، مرة أخرى؟

حين تصل حافلة تضم أناسا أبعدوا من الولايات المتحدة الأميركية، تستلمهم سلطة الهجرة المكسيكية في نوغاليس. عادوا إلى بلادهم دون بقية أفراد عائلاتهم، لتبدأ مأساة أخرى، ويبدأ بعض المتخصصين في دراسة تأثير عمليات الإبعاد على المهاجرين في المدينة. توجهت "فيولت لابنز" إلى أورليانز لغرض الدراسة. مهما كانت النتيجة، فهي لن تغير شيئا.
المهاجرون لم يستقروا في المكسيك الأم ولا في أميركا بلد الفرص (الجزيرة)
عائلات مشتتة غير مستقرة في الولايات المتحدة ولا في بلادها، وهي بعيدة أيضا عن بعض أفرادها. هذه هي حال المهاجرين المكسيكيين، علما بأن مستوى البطالة في بلادهم قد انخفض، لتنخفض معه عمليات الهجرة.

في نهاية الفيلم، مشهد يختصر حال البعض: طفلة ترسم والدها الذي سوف يعود، كما تحلم وتأمل. شقيقتها، لا تعبر إلا بكلمة "بابا".

فيلم "معركة الهجرة إلى أميركا"، من إنتاج الجزيرة، مدته 24.50.

* كاتبة لبنانية

المصدر : الجزيرة