سهى صباغ*

أيتصور أحدنا الأرض حين خلقت؟ ما زالت بكرا في بعض البلدان، كما كانته. جمال غير مشوه، نضارة. السماء قريبة لا يحجبها الباطون. عصافير، فراشات، نباتات، زهور، جبال ووديان وألوان وجمال لا يُحصر. ماذا لو كان الإنسان ضريرا لا يبصر؟

ثمة 18 مليون ضرير في العالم، محرومون من نعمة البصر بسبب ما يعرف بالماء البيضاء، 90 بالمئة منهم يعيشون في العالم النامي.

هناك في النيبال، إحدى أفقر دول العالم، طبيب يشبه أبطالا قرأنا عنهم في أساطير طفولتنا. طبيب يحاول التقليل من عدد المحرومين من نعمة البصر، وهو يتولى تدريب جيش من أطباء العالم لتحقيق ما يطمح إليه.
 18 مليون ضرير في العالم بسبب الماء البيضاء (الجزيرة)

المراسلة الصحفية يارا أبو ملحم قصدت النيبال، وشَهِدَت على الأرض، عمل الطبيب "ساندوك رويت"، الخبير في جِراحة إعتام عدسة العين، والذي قارب الستين من عمره. يعمل طوال النهار، ليعيد الأمل والحياة، لأناس يعيشون وكأنهم أموات. مهملون يعتبرون عبئا على أهاليهم، الذين يجهلون التعامل معهم، فيعيشون حياة منعزلة ومزرية، فاقدين الأمل بالشفاء.

كانت الجدة أنج لامو شيربا تعمل هي وزوجها في الزراعة وتهتم بأمور المنزل وأشياء أخرى مختلفة. لم تكن تعجز عن القيام بأي شيء، إلى أن فقدت بصرها.

أصبح زوجها مسؤولا عنها في كل شيء، يحملها بجسمه النحيل، متنقلا بها من مكان لآخر. يطلع بها درج البيت ويُنزلها، ويهتم بكل أمورها. أصبح مُقصرا تجاه عمله وبتأمين لقمة عيشهم، لدرجة أن غذاءهم اقتصر على مسحوق الذرة والشاي.

كيفما وجه المصور كاميرته، ستكون لقطته بمنتهى الروعة، فسحر الطبيعة ينبت بهذا المكان، وبيوت بُنيت بعفوية من التراب والحجر والخشب. لا مثيل لها بأية تصاميم هندسية. واضح أن التكنولوجيا لم تصلهم بعد، أقلها الكهرباء. إضاءة النهار المتسربة إلى الداخل، وعلى درج المنزل الضيق، تعطي مسحة من رقة لمكان لا تخفي قسوة الحياة فيه، على الآتين من أماكن مختلفة. كذلك ضوء القنديل ليلا أو في عتمة الغرف الضيقة.

توفيت شقيقة الدكتور رويت بمرض السل، حين كان طفلا. هذا ما دفعه لاختيار مهنة الطب، ورغم نيله العديد من الجوائز، إلا أنه لا زال يعطي الوقت لمرضاه، ليُعيد إليهم البصر.

مركزه في كتماندو، ليس مستشفى فحسب، لكنه أيضا مصنع مُتقدم تقنيا، لصناعة العَدَسات. يأتي إليه المرضى من المناطق النائية، ويذهب هو بدوره وبمستشفى نقال إلى مناطق يتعذر على قاطنيها الوصول إليه، حاملا معه الغذاء. يختار مقر أو غرفة صغيرة، يُصار إلى تعقيمها واستعمالها. 

الدكتور رويت: ليس من حق البشر أن يروا فقط بل أن يروا بوضوح (الجزيرة)

يقطع هذا الدكتور المثابر الذي لا يمل ولا يتعب، مسافات مشيا على الأقدام، معه فريق كامل من المساعدين والأطباء المتدربين، الذين سينقلون خبرته وما تعلموه منه لبلادهم. يصعدون الجبال الوعرة، حيث يستغرق الوصول إلى البلدة المقصودة حوالي الثماني ساعات.

يقوم بخمسين عملية جراحية يوميا، بينما في الغرب، تُنجَز خمس عشرة عملية. هذا العمل ليس المقصود منه الربح المادي، فهو يقوم بالكثير من العمليات بشكل مجاني، لمن ليس بمقدوره الدفع.

تكلفة صناعة العدسة، في مصنع الدكتور وايت لا تتجاوز الثلاثة دولارات، بينما في الولايات المتحدة تبلغ الكلفة مئة دولار. وكل عام تُصنع 350 ألف عدسة، تُباع في أنحاء مختلفة من العالم.

صديق الفقراء الدكتور رويت يقول إن ليس من حق البشر أن يروا فقط بل أن يروا بوضوح.

لم يتوغل الفيلم في يوميات الناس المقيمين بجبال الهيملايا، لتقريب المتفرج من حياتهم ولو بشكل سريع، بل اكتفى فقط بإظهار حالات فاقدي البصر، وكان وافيا. تم تصوير بعض العمليات وشرحها. تستغرق العملية سبعة دقائق، وتُغطى العين لمدة أربع وعشرون ساعة.

جاءت الجدة "أنج لامو شيربا" محمولة على ظهر زوجها، يُرافقهما شقيقه للمساعدة، من أجل إجراء العملية. كلهم أمل بنتيجة مرضية.

في منزلها، كان يبدو على أنج القهر لوضعها المزري. لا تقوم بأي عمل سوى تناول الطعام والجلوس بين أربعة جدران.

متأملة أن تتحقق المعجزة، مثلت بين يدي الطبيب. أنجزت العملية. في اليوم التالي، رُفعت الضمادات.

كأنها كانت بنوم عميق واستيقظت. هكذا عبرت، بل ورقصت. عادت إلى الحياة. مسكت أنف الطبيب وضحكت.

تصوير سريع لتنفيذ العمليات. أطباء يأتون من إندونيسيا، وأثيوبيا، وميانمار، وكوريا الشمالية.

ينتقل الفيلم إلى أندونيسيا، لمتابعة الدكتورة "جويس" التي رافقوها من النيبال. ستكون دكتورة العيون المُتدربة الوحيدة في بلادها. التحدي هنا أكبر، حيث يبلغ عدد الجزر الأندونيسية 16ألفا.
عدد المرضى الذين يشكون من فقدان البصر، هم ثلاثة ملايين. ستكمل الدكتور "جويس" رسالة الدكتور "سندوك رويت" وتقوم بمعسكر للعلاج، لتنفذ 264 عملية في يومين. دهشة المرضى وفرحتهم التي لا يستطيع معرفتها أي مُبصر، لا توصف.
عالم الجزيرة - نعمة البصر (الجزيرة)
من نيبال وجبال الهيملايا، إلى جزر إندونيسيا. سحر وجمال وطبيعة خلابة. يُقابلها فقر وبراءة، لدى شعوب بسيطة، تستحق الحصول على أمل لم تحلم به ربما. أمل بنعمة البصر. أما الأجمل من كل ذلك، أن تجد في عالمنا الملوث هذا، طبيب متأثر بطبيعة بلاده الناصعة الجمال، وقلب نقي، يقوم بما هو لم يعد بأعجوبة ولا بمستحيل. إعادة الحياة، لمن مات وهو على قيدها.

نعمة البصر، عمل رشيق تماهى به المخرج والمصور وفريق العمل، مع طبيعة المكان والبشر.
إنتاج الجزيرة 2015.

* كاتبة لبنانية

المصدر : الجزيرة