زكريا جابر*


كثيرا ما كان اللبنانيون يعانون من فساد الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان ولكن أهم معاقل الفساد في إطار الدولة اللبنانية وأشهرها كانت وزارة الطاقة اللبنانية ومؤسسة كهرباء لبنان التي حتى هي أحيانا لا تصلها الكهرباء لتنير مبناها بمنطقة الجميّزة في بيروت.

وكثيرا ما كان اللبنانيون يعانون ويشكون، ولكن الحالة كان يعبر عنها بالتالي يمكنك أن تشكو لأهلك، ولعائلتك، ولأولادك، ولكن لن تغير.

عجز اللبنانيون بالتعبير عن استيائهم أمام كل شيء، لكن بخطوة فريدة من نوعها سينمائيا يأتي الفيلم التسجيلي "كهرباء لبنان.. عندما يأتي الظلام" للمخرجة اللبنانية سينتيا شقير ليتطرق إلى الموضوع الذي شغل بال الشعب اللبناني وهو الكهرباء.

 حانت السادسة والنصف مساء.. وقت اندماج ظلام الليل بظلام الكهرباء

حانت الساعة السادسة مساء بتوقيت الضاحية الجنوبية لبيروت، حان وقت اندماج ظلام الليل بظلام الكهرباء المقطوعة يوميا في لبنان، ولمَ توقيت الضاحية الجنوبية؟ بكل بساطة لأن توقيت محافظة بيروت الكبرى كهربائيا يختلف عن توقيت جميع ضواحي بيروت والمناطق الأخرى من الدولة اللبنانية.

وببساطة، الظلام سيد الموقف بين الأحياء، والأضواء لا تشع سوى في البيوت التي تدفع فاتورتي كهرباء، الأولى لمؤسسة كهرباء لبنان التابعة لوزارة الطاقة اللبنانية، والثانية لصاحب الموّلد الذي يمارس أيضا فاشيته الاجتماعية بالتحكم بأسعار "الأمبير الكهربائي" لكل منزل يشترك بتلك المعادلة، وبالطبع لا ننسى أن منازل النواب والوزراء اللبنانيين الحاليين والسابقين والتلامذة لإدارة تلك المناصب مستقبليا هم من يحتكرون الماء والكهرباء والخدمات في لبنان بلا مقابل.

أذكر أن معظم الأوقات التي كنت أقع فيها على أدراج المبنى الذي كنت أسكنه في منطقة الشياح بإحدى ضواحي بيروت كانت بسبب الظلمة التي تغطي المبنى كل ليلة، لا أرى شيئا سوى رجلي تتحرك على الأدراج صعودا ببطء خوفا من الأذية التي ممكن أن أتعرض لها إن هويت من الطابق الرابع حتى السفلي، لكن مع مرور الوقت ونمو رجلي خلال حركتي الأفقية نحو الطابق الرابع من المبنى حفظت جميع زوايا المبنى وارتفاع الدعسات والمكعبات الإسمنتية أمامي، مما مكنني من أن أمارس الركض معصوب العينين لأصل إلى شقتي القديمة حيث الإضاءة الوحيدة التي تنور أروقتها هي الشموع والولاعات التي تحتوي على مصابيح صغيرة ابتكرها اللبنانيون.

المواطن اللبناني.. انتظار مزمن للكهرباء

أدت الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام ١٩٧٥ إلى تراجع مستوى خدمات مؤسسة كهرباء لبنان، وبعد انتهاء الحرب واتفاق الطائف عام ١٩٩٠ ترأس رجل الأعمال اللبناني رفيق الحريري معظم الحكومات حتى اغتياله عام ٢٠٠٥ متمسكا بجميع مفاصل الدولة اللبنانية من وزارات ومراكز حكومية.

لكن توقعات الشعب اللبناني كانت أعلى مما ساهم به رفيق الحريري، فخلال حكمه استمر التقنين الكهربائي القاسي ولم تنجح أي خطة حكومية بتحسين قطاع الكهرباء، وتنامى دور المولدات الخاصة الموزعة للكهرباء التي يملكها أفراد أصبحوا في ما بعد أمراء المناطق التي ينيرونها.

كل شيء مقسوم بين طرفي قوى 8 آذار و14 آذار في الجمهورية اللبنانية بعد اغتيال الحريري، بين تيار المستقبل التابع لـ١٤ آذار وحزب الله الوجه القيادي لـ٨ آذار، حتى الكهرباء بخرابها وإصلاحها تنقسم بين هذين التيارين السياسيين اللذين يعرفان بأنهما كانا من أهم ما كان يخرب البلاد ويمارس عمليات الفساد بحكمهما لها.

انقسم وزراء الطاقة منذ عام ١٩٩٢ بين التيارين السياسيين اللذين يتحكمان بشؤون الكهرباء في لبنان، وآخر من كان أيقونة الفساد في وزارة الطاقة اللبنانية هو وزير الطاقة اللبناني السابق جبران باسيل الذي يتبع للتيار الوطني الحر المنطوي تحت ستار ٨ آذار وحزب الله.

الطلقة الأولى
"منذ عام ١٩٧٥ حتى اليوم لم تفلح أي من الحكومات التي مرت على تاريخ الدولة اللبنانية بإصلاح قضية الكهرباء، وأنا أعلم أن من فرقني عن زوجتي وأولادي هي شركة كهرباء لبنان بسبب فسادها وتقنينها، ولو كنت وزير الطاقة اللبنانية لقمت بالإصلاحات اللازمة، وإن لم أتمكن من ذلك فإنني بكل بساطة سأقدم استقالتي وأترك المنصب لمن هو قادر على تغيير الوضع الحالي" بتلك الكلمات يختصر جمال الشقيفي نجم فيلم "عندما يأتي الظلام" الحلم الأبدي للشعب اللبناني بالاستمتاع بـ٢٤ ساعة يوميا من التيار الكهربائي.

جمال الشقيفي هو أحد سكان منطقة حي السلم في ضاحية بيروت الجنوبية الذين يعانون من مشكلة التقنين الكهربائي، وعلينا أن نذكر أن منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت تتلقى بحد أقصى ست ساعات من التيار الكهربائي يوميا في معظم أحيائها وشوارعها ومناطقها السكنية، مما يصنفها بأنها منطقة معزولة وغير مجهزة للسكن.

كل شيء مقسوم بين طرفي ٨ و١٤ آذار في الجمهورية اللبنانية بعد اغتيال الحريري، حتى الكهرباء بخرابها وإصلاحها تنقسم بين هذين التيارين السياسيين اللذين يعرفان بأنهما كانا من أهم من يمارس عمليات الفساد

بالدخول إلى منزل الشقيفي نكتشف أن هذا الأخير يسكن في شقة لا يتواجد فيها أي من المؤهلات العادلة للسكن، الطاولات امتلأت بالشموع التي يضيئها يوميا بسبب التقنين الكهربائي، بالإضافة إلى أن حالته الصحية سيئة حسب ما تظهره عدسة مدير التصوير زياد شحود الذي كانت له لمسة رائعة في التصوير والإضاءة مانحا الفيلم الحرارة اللازمة ليدخل إلى قلب المشاهد بشدة من خلال عينه.

الشقيفي هو المواطن الأول الذي تجرأ برفع صوت الشعب اللبناني في قضية الفساد الكهربائي اللبناني، فالأخير رفع دعوى قضائية ضد شركة كهرباء لبنان، متهما الأخيرة بأنها كانت السبب الرئيسي لسفر زوجته الرومانية مع ولديهما بسبب عدم تحملها الوضع المعيشي والتقنين الكهربائي في لبنان، فهو أيضا يقول "استيقظت في يوم من الأيام لأرى زوجتي تهوّي بإحدى الوسادات فوق الأولاد كي لا يشعروا بالحر الشديد خلال انقطاع التيار الكهربائي، وهذا المشهد دمرني، مما دفعني لأن أتوجه إلى القضاء وأن أرفع تلك الدعوى القضائية على من أعتبرهم السبب الرئيسي لسلبهم عائلتي".

روبين هود الكهرباء
"روبين هود" وهو أيضا إحدى الشخصيات الرئيسية في الفيلم، يروي روبين هود تجربته مع التيار الكهربائي بالتالي "أنا أسرق، وأعترف بسرقتي لخطوط الكهرباء، لكن لا أسرق لغاية الربح فحسب، فأنا أوزع الكهرباء على منطقة كاملة من الذين يعيشون بالظلام واعتقلت سابقا بتهمة سرقة الكهرباء ولكنني لن أعتذر ولا أندم وسأبقى على أفعالي وأعمالي حتى تتم محاسبة جميع سارقي وفاسدي الدولة اللبنانية، وأنا بينهم".

لو كان لنا مئات النماذج من روبين هود لأقدم حكام الفساد اللبنانيين على إلغاء نظام التيار الكهربائي من لبنان، فحسب الوقائع والمعطيات فإن الدولة اللبنانية تبحث دائما ليس عن الحلول، بل عن كيفية التهرب من خدمة الشعب مقابل أن تمارس تلك الطبقة السياسية أعمالها الفاسدة بالنهب والسرقة.

مخرجة الفيلم سينتيا شقير قدمت بالفيلم روبين هود الكهرباء

لا بد أن نذكر أن ما قام به جمال الشقيفي هو إطلاق صرخة معنوية مقهورة من سكان الدولة اللبنانية، فهو بكل بساطة آمن بالعدل والقانون، وبأنه يمكنه الحصول على حقه بالكهرباء ليعيل عائلته التي تركته بسبب الأوضاع المعيشية، لكن من المؤسف أن يعلن الفيلم بآخره أن الشقيفي توفي على إثر وضعه الصحي التعيس بسبب الحالة المعيشية التي كان فيها قبل أن يصدر قرار القاضي بقضيته بسبب الفساد الذي يحل على القضاء اللبناني أيضا الذي لم يحل أي مشكلة بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية.

توفي الشقيفي، وما زال روبين هود يسرق الدولة بتيارها الكهربائي ليغطي المنطقة العتمة، وما زال الشعب يعاني بفاتورتي كهرباء، وما زالت الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان تمارس فسادها اليومي، وما زلنا نأمل بغد أفضل.

المصدر : الجزيرة