سهى صباغ*

على القاتل ألا يكسب رهانه الأوحد: أن تفقد الضحية ذاكرتها.
هكذا يمكنك أن تخلص وأنت تتابع فيلم "أبناء المجازر" في لبنان خلال الحرب الأهلية، من تل الزعتر (1976) مرورا بصبرا وشاتيلا (1982).

وتنتظر أكثر من ذلك، فالقتل الذي استباح دم الفلسطينيين واللبنانيين في صبرا وشاتيلا كانت يده واحدة، ما قد تفرقه البطاقة الشخصية يوحده القاتل الذي يرى المخيم عدوه، وابن المخيم الجيد هو الميت حتى لو لم يكن فلسطينيا.

أبناء المجازر يتحدثون، أفلام نُفذت، ومشاهد تعاد في كل ذكرى، لتوقظ الرأي العام والإنسانية، مشاهد لا يتحملها مخلوق طبيعي، فكيف بها مع من عاشها وكان طفلا في حضن أهله، يتعرف إلى الحياة، أهذه هي الحياة، أهكذا هم البشر!

الفيلم لجأ إلى الرسوم المتخيلة لترجمة الرواية الشفوية لأبناء المجازر (الجزيرة)

في فيلم "أبناء المجازر" الذي بثته قناة الجزيرة (إخراج محمد سلامة- 45 دقيقة) لا يزال هناك من شهود عيان لم يسمعوا عن المجازر، بل عاشوها وشاهدوها بأم العين، دماء أحبائهم لطخت ثيابهم وذاكرتهم.

دلال الشحرور إحدى الناجيات من مجزرة تل الزعتر تروي قصتها، كان هناك قناصون يصطادون البشر، وهي بقلبها الطفل تريد الاطمئنان على العصفور، نبهها والدها ألا تخرج حيث القناص ينتظر فريسته، لكن كان قلبها مع العصفور، أليست شبيهته؟ غامرت دلال بالخروج وأنقذت طائرها الصغير.

 مع إطباق القتلة التدريجي على المخيم كان السكان بلا طعام ولا ماء، كانت مغامرة أم دلال لإحضار الطعام لأطفالها الذين فتك بهم الجوع آخر فرصة للحياة، سقطت الأم وسط الشارع بطلقة في ظهرها.

حيدر شحرور شقيق دلال يقاسمها الرواية، ويحكي عن العائلة التي تجمعت من دون الوالدة في بيت حشر به الأولاد في زاوية، من هذه الزاوية سيرون الأب وهو يشعل سيجارة تلتها قذيفة بددته ونثرت دمه أمامهم.

 في بئر تل الزعتر وقع قتيل بينما كان يملأ الماء ليشرب أولاده وأهله، لم يكن الناس على علم بذلك، في ما بعد قيل إن أهل تل الزعتر شربوا الماء من بئر القتيل، لم يكن هناك مصدر آخر للمياه وهم تحت الحصار.

لم يكن من وقت لتختبر المقولة الشعبية "الدم عمره ما يبقى ميّ"، كان تل الزعتر مكانا ضيقا لا يتسع فيه اللحم البشري لكل هذه القذائف وكل هذا الرصاص.

تروي دلال الشحرور التي أصبحت مدرسة في ما بعد تجربتها لطلابها، كي لا تمحى من الذاكرة، كانت البيوت بسيطة، سقوفها من تنك "نسمع صوت المطر كأنه موسيقى" مع دفء الأهل وحنانهم يكون الفقر أقل قسوة.

حسين عثمان ناجٍ آخر من المجزرة، كان أيام الحصار هو ووالدته يلمان العدس من بين التراب، رسم تصويري لجندي يطلق النار على الناس، الأم مذعورة، صراخ، قد أرداها القناص.

بعد حوالي خمسين يوما من حصار تل الزعتر استطاع البعض أن يهرب، رأوهم ولم يكتفوا، شاب يربطون رجله بسيارة جيب والأخرى بملالة ويفسخونه، أوقفوا والد الناجي من المجزرة حسين العثمان وأطلقوا النار عليه، لم يمت على الفور فرموه أرضا وذبحوه. يقول "كنت طفلا ورأيت ذلك" نعم سمعناه جيدا في الفيلم وهو يكتم ألمه، كان طفلا ورأى ذلك، التكرار مهم أحيانا.

أبو علي سرور فقد ستة من أهله في مجزرة صبرا وشاتيلا (الجزيرة)

كانت الجثث مكومة في ساحة، أما دلال التي كانت ضمن حشد من المدنيين العزل فلم يوفرها مسلح بشعر أشعث لا يبارح ذاكرتها، دفعها لتركع وسط الشارع، وتتلقى ضربة بكعب البندقية.

ينتقل المشهد إلى مجزرة مخيم صبرا وشاتيلا، الكاميرا تمر داخل المخيم، زواريب ضيقة، علب باطون مزدحمة، أولاد يلعبون.

بعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت بيومين بدأ العدو الصهيوني اجتياحه، جمع أفراد المليشيات من مناطق مختلفة من لبنان، جنوبا (حيث جيش العميل أنطوان لحد)، وشمالا وبيروت الشرقية (حيث الكتائب والقوات اللبنانية اللتان لم يسمهما الفيلم)، ينقلهم العدو بواسطة المروحيات إلى مطار بيروت، يتم توزيعهم في المدينة الرياضية خلف مخيم صبرا وشاتيلا ليتخذوا هناك مواضعهم وليكون الموعد الدامي للمجزرة يوم 16 سبتمبر/أيلول 1982.

أبو علي سرور ناجٍ من المجزرة، يدخل الغرفة الضيقة نفسها من البيت الذي كانوا يسكنونه، يستعيد اللحظات المفجعة ويخبرنا: الشقيقان يهربان إلى الحمام، يشاهدان ما يجري، الوالدة أصيبت، الشقيقة شُلت، الوالد قتل أمام أعينهم، الجارة كانت في الزاوية خائفة وقتلت، وآخرون من الجيران، كانت الجثث فوق بعضها.

صورة للمشهد من الأرشيف بشكل مموه، كان الناجي من المجزرة محمود حرب خارج المخيم، حين عاد وجد شقيقة الدكنجي أبو كايد وقد علقت في الخارج مقصوصة إلى نصفين، كانت حاملا والجنين خارجا منها.
يعرض الفيلم مشهدا سورياليا لأطفال يعزفون الكمنجات إلى جانب جدار طويل وممر ضيق، لعل الموسيقى تجمل شيئا وتخفف من الألم

يقول إن ثلاثة أشهر لم يستطع النوم فيها دون أن يجثم المشهد على صدره، ما زال المشهد راسخا في الذاكرة.

يعرض الفيلم مشهدا سورياليا لأطفال يعزفون الكمنجات إلى جانب جدار طويل وممر ضيق، لعل الموسيقى تجمل شيئا وتخفف من الألم.

وكان حضور حيدر شحرور بكمنجته مؤثرا سواء للمقطوعة التي عزفها أو مساره الطويل في تعليم الأطفال الفلسطينيين في مخيم الرشيدية بجنوب لبنان وغيره عزف الموسيقى.

عبر الفيلم عن ذاته بطرق مختلفة: لقاءات مع شهود عيان، ومشاهد من المخيم الذي لا يزال قائما، مشاهد أخرى من خلال رسومات كرتونية، كان بعضها معبرا، أما البعض الآخر فكان تفسيريا أكثر مما يحتمل، مانعا مخيلة المشاهد وأحاسيسه من التحليق بحرية.

كانت ثمة محاولة من قبل المخرج للهروب من المشاهد الواقعية العنيفة، تجنب اللجوء إلى الأرشيف مستعينا بالرسوم المتخيلة التي أدت الغرض أحيانا، لكن كان لا بد من عرض بعض الصور الواقعية بشكل أو بآخر، كي لا ينسى التاريخ واقعيتها وفظاعتها.

يذكر أن مجزرة صبرا وشاتيلا وقعت على الفلسطينيين واللبنانيين من الفقراء الذين عاشوا معا واكتسبوا هوية المكان، عدد المذبوحين في المخيمين من اللبنانيين لا يقل عن الفلسطينيين، لكن المؤسف أنهم لم يذكروا في الفيلم، ولا بأفلام أخرى تناولت الموضوع نفسه.
أطفال مخيم صور يعزفون الكمنجات.. يدربهم حيدر الشحرور الناجي من مجزرة تل الزعتر (الجزيرة)

ملاحظة أخرى نقع عليها، وهي عدم إشارة الفيلم إلى الجهات السياسية ولا الأشخاص الذين ارتكبوا هذه المجزرة، مع أنهم ما زالوا أحياء يرزقون، والأفضل ألا يرزقوا.

في النهاية مجزرة تل الزعتر ومن بعدها مجزرة صبرا وشاتيلا يمكن من وحيهما إنجاز أعمال فنية كثيرة وعالمية ذات مستوى عالِ وبإنتاج يسهل ذلك، فالإدانة لن تنتهي.

"أبناء المجازر" صرخة إنسانية، كي لا يردم التاريخ الوقح والمزور آلام البشر.

* كاتبة لبنانية

المصدر : الجزيرة