زكريا جابر*

في شارع "تيسير طه" في مدينة دوما السورية قناص يختبئ داخل ما كان يُسمى البرج الطبي التابع لنظام الأسد في سوريا، يُراقب المارة على بعد كيلومترات، ولا يكترث إن كان المار أخاه أو عدوه.

فللقناص هدف واحد، وهو أن يلقي بالأخير ضربة موجعة بالرصاص، ويراه يقع أرضا ضحية إنسانية أو بنظره نقطة زائدة على سجله العسكري لتطهير الأراضي السورية من السكان الثوار، أو بنظر الكاتب السوري "ياسين الحاج صالح" شهيدا من أجل الحريّة من فاشية الأسد.
ياسين الحاج صالح في الغوطة الشرقية.. لا شيء إلا استهدفته براميل النظام

في شارع "تيسير طه" كل شيء يسقط ويتلاشى، الحجر والبشر والحيوان، أمام المنظار العسكري.
صورة جماعية للثورة.

"هالبلد بلدنا، وليس رهينة الأسد، سنقاتل حتى آخر رمق". تلك الجملة هي شهادة من أحد المسلحين الذين انشقوا عن الجيش السوري والتحق بألوية وكتائب دوما التي اتحدت مع كتائب ثوار الغوطة الشرقية وكتيبة أسود الله للاستيلاء على البرج الطبي المحتل من النظام السوري، واستمرت المعركة الأخيرة أربعة أيام ولياليها متتالية، وكانت نتيجتها مقتل جميع عناصر النظام وبسط سيطرة الجيش الحرّ على المنطقة.

وبعد توثيق تلك المعركة يدور السيناريو نحو توثيق من نوع آخر، وهو الزيارة الأولى للكاتب ياسين الحاج صالح من قبل مخرجي الفيلم "زياد حمصي" و"محمد علي الأتاسي" حتى وصوله إلى تركيا، لنكون من ثم أمام الفيلم التسجيلي "بلدنا الرهيب"، إنتاج 2014.

من دمشق لإسطنبول
الطريق وعرة، والصحراء تكسو الأرض أينما كانوا، والمياه شبه معدومة، والتقنين الكهربائي يتزايد، والإنترنت تعتمد على الكهرباء، والخبز أصبح بسعر النفط، وبعضهم ما زال يقول إن كل شيء على ما يُرام.

الناشطتان سميرة الخليل (زوجة الحاج صالح-يمين) ورزان زيتونة قبل خطفهما في مدينة دوما

تبدأ الرحلة من العاصمة دمشق، حيث كان يسكن الكاتب السوري ياسين الحاج صالح الذي انتقل بعد سنتين من بداية الثورة السورية إلى مدينة دوما المحررة، وهناك التقى المصور الشاب زياد الحمصي، هو بالتالي شعر بالفرح حين خطفه إحساس يقول له "هذا الكاتب هو محور فيلمك المقبل".

يحكي الفيلم قصة الرحلة الخطرة التي خاضها ياسين الحاج صالح برفقة زياد الحمصي لعام كامل، ابتداء من مدينة دوما في الغوطة الشرقية ومرورا بالقلمون والطرق الصحراوية الوعرة ووصولا إلى مدينة الرقة الواقعة شمال سوريا، لتنتهي الرحلة في إسطنبول العاصمة التركية، حيث يلجأ ملايين السوريين هروبا من الصراع الذي تشهده سوريا منذ عام 2011.

ولكن في الطريق إلى مدينة ياسين الحاج صالح الأم، وهي الرقة المحررة، يكتشف أن مدينته باتت تحت سيطرة التنظيم الإسلامي المتطرف داعش، وأن هذا التنظيم اختطف أخويه أحمد وفراس.

وبعد ذلك بقي ياسين الحاج صالح متخفيا في الرقة أشهرا، منتظرا الحل الأخير والفرصة المناسبة ليهرب منها. وخلال هذا الوقت، يزور علي الأتاسي الرقة، وهو أيضا مخرج الفيلم ويحاول تصوير تطور العلاقة بين ياسين الحاج صالح والمخرج زياد الحمصي.

عيون ياسين
عين على المعركة، عين على الأحياء والناس، عين على الكتب والكلمات، عين على سوريا الحرّة كما يحلم، عين على داعش، عين على زوجته سميرة، عين على إسطنبول، عين على الجيش الحرّ، عين على زياد الحمصي، وعين العدسات التي يحملها الأخير على ياسين. متعدد النظر هذا الكاتب. كان هدف ياسين الحاج صالح القتال في سوريا بالتوثيق، وما الكاتب سوى فيلمٍ وثائقي لا ينتهي قبل موته، وهو يراقب ويكتب ويتابع ويتصل ويُسجل ويوثق منتظرا إحدى القذائف أن تصيب جسده.

الغوطة المحررة من يد النظام لا تكف البراميل والصواريخ عن معاقبتها
ما يلفت النظر في هذا الفيلم التسجيلي هو الدقة والذكاء اللذان حملهما المخرج أثناء تصوير هذا الفيلم، فزياد تابع الكاتب في كل أحواله وأنشطته، من فكره عن الثورة بمواجهة النظام السادي، وحملات التنظيف التي نظمها في المناطق المحررة، والمشقات والصعوبات والمخاطر التي يواجهها في رحلته في المناطق السورية حتى وصوله إلى إسطنبول، حتى القبلة التي يتركها على جبين زوجته سميرة الخليل ومحادثاته معها على "سكايب"، وهي التي كان ينتظرها في إسطنبول حين اختطفت أثناء تصوير الفيلم مع الناشطة الحقوقية رزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي من مدينة دوما على يد قوى إسلامية متطرفة.

وتتبع سفر زياد وياسين إلى تركيا -بوصفها منفى مؤقتا- عودة الأول إلى مدينة دوما، وقبل وصوله إليها اعتقله تنظيم داعش، وأمضى ما يقارب الشهرين في السجن، ليخرج بعدها إلى المنفى التركي مجددا.

خلف القضبان ووراء الحدود
اعتقل ياسين الحاج صالح عام ١٩٨٠، وكان يبلغ من العمر عشرين عاما، وقضى في سجون النظام السوري مدة 16 عاما، وكان واحدا بين قلة من المثقفين السوريين الذين واكبوا من الداخل الثورة السورية منذ بداياتها عام 2011. وبعد سنتين من التخفي في مدينة دمشق اضطر، ياسين إلى مغادرتها متوجها مع زوجته سميرة الخليل إلى مدينة دوما المحررة في الغوطة الشرقية، ليعود ويسكن إسطنبول وينتظر زوجته وأحباءه ويكتب ويوثق ويشهد على كل مجزرة وفاجعة في سوريا وعلى التغييرات الديموغرافية، وينتهي الفيلم بجملة "وما زالت سوريا تنتظر الحرّية".

المخرج زياد حمصي بعد وصوله إسطنبول بعد عام من الرحلة الخطرة

تم تصوير هذا الفيلم على مدى عام كامل من المتابعة والمغامرات بين زياد الحمصي وياسين الحاج صالح في عدة مناطق من سوريا المحررة وتركيا، معتمدين على كاميرات بسيطة ومعدات تصوير من الطراز الفردي.

وتعرض الفيلم للعلاقة بين جيلين انخرطا منذ البداية في الثورة، كل على طريقته، مع ما حملته لهما هذه الثورة من آمال وخيبات وانكسارات. ويصور الفيلم من خلال مصائر شخصياته مراحل الثورة السورية من بداياتها السلمية مرورا بمرحلة التسلح ووصولا إلى قصف وتدمير المدن من قبل النظام وظهور التيارات الإسلامية المتطرفة ومحاولة سيطرتها على الثورة.
___________________
* كاتب لبناني

المصدر : الجزيرة