سهى صباغ*

هناك في بلاد الفقر، الطبيعة ثرية. شعوب تضمها الغابات والأشجار، تصيبها العين التجارية التي تُخطط لقطعها وإنشاء مزارع لزراعة النخيل على نطاق واسع، واستخراج زيت النخيل. مناخ غرب أفريقيا، مناسب لهذه الزراعة، كذلك القاعدة السياسية لتلك الشركات المتعددة الجنسيات يناسبها أن تصب المال والأرباح في خزائنها.

فيلم "نخيل الكاميرون المنهوب" الذي بثته الجزيرة ضمن سلسلة "عالم الجزيرة"، يعرض لعملية النهب التي تنتهي أخيرا دون أن نشعر بها ونحن نطالع المنتجات التي يدخل فيها زيت النخيل على رفوف المحلات التجارية من أطعمة وحلويات، ومواد تنظيف.. وغيرها.
43 مليار دولار تكلفة صناعة زيت النخيل التي ستنضم إليها الكاميرون (الجزيرة)

إن كانت صناعة زيت النخيل قد بلغت كلفتها 43 مليار دولار، فتخيل مدى الأرباح التي تدر على الشركات المنتجة، كشركة "هيراكليز" و"سي دجي سوك". المطامع المالية تصل بالإنسان إلى أماكن بعيدة نائية، طبيعة بكر تشم رائحة فوائدها عن بعد آلاف الهكتارات.

يمشي أحد المواطنين في الغابة التي ربما لم يعرف بحياته كلها غيرها. يلتقط ثمرة عن الأرض، ويُخبر عن فوائدها الصحية. كيفما امتدت يدك تعطيك الطبيعة ولا تبخل. يردد "إن ما تمنحه الأرض لي، هو أكثر مما ستمنحه الشركة".

كما نعلم، ففي كل شيء ربح وخسارة، حتى التكنولوجيا التي اقتحمت حياتنا، فوسائل النقل مثلا ساعدت باختصار المسافات، لكنها ساهمت بشكل كبير في حرمان الإنسان من حركة الجسد. تقلصت قدرته على التحمل، ولم يعد كالسابق. باسم الحضارة والتطور تُنتهك الأرض والطبيعة، وحتى أجساد البشر.

يأتي اللاهثون إلى الأموال من البعيد، ليأكلوا رزق سكان لا يعرفون من العالم سوى غابتهم الممتدة، لا يحدها سياج. ستظهر فيما بعد وتُصبح ملكا لشركات أصحابها لم يتنشقوا في حياتهم أوكسيجين ولا أريج الغابة نفسها، لم يتسلقوا شجرها، لم يتعاركوا مع تلك الطبيعة وما أصيبوا بخدوشها.

اجتثاث الغابات من أجل خزائن أموال لن تصب في جيوب أهلها (الجزيرة)

حيوانات مهددة كالفيلة التي ستكون في خطر، إن اجتثت أشجار المنطقة التي يقتنونها، سيجرد البلد من أصوله. كل ذلك من أجل خزائن أموال، لن تصب في جيوب أهله.

وعد المستثمرون الأهالي البسطاء بأنهم سيتخلصون من الفقر، وستكون هناك خطة إنمائية، وحياة كريمة لهم. ستُبنى المدارس لتعليم أبنائهم وستنشأ الآبار، وإلى ما هنالك.

ماليزيا وإندونيسيا، خاضتا التجربة، وكانت ناجحة. تُنتجان الآن 80% من مجموع زيت النخيل في العالم. في حوالي عشرين عاما، أصبحت إندونيسيا في المرتبة 16 لأفضل الاقتصادات في العالم.

أراد الكاميرونيون أن يخوضوا التجربة نفسها، رغم التنبيه من قبل جمعيات حماية البيئة، والسكان المحليين. فالإفادة متواضعة جدا أمام ما تعطيه الغابة الغنية التي يُريدون أخذها منهم.

وقع الأهل على عقود استثمار أراضيهم، دون معرفة كيفية هذا الاستثمار. تمّ عقد الاتفاقية مع حكومة الكاميرون، بإشراف وزير الاقتصاد، الذي أعفاهم من الضرائب لأول عشر سنوات، علما بأن الضرائب هي مصدر أساسي للاقتصاد في البلاد. طبعا الوزير ليس غبيا في الحسابات ولكن، على القارئ التحليل.

73 ألف هكتار ستُستثمر بسبعين ألف دولار، علما بأن الاستثمار في إندونيسيا كان بمبلغ سبعين مليونا.

بعض أهالي الكاميرون اعتبر أنهم أفضل حالا كمزارعين في أراضيهم، من أن يُصبحوا عمالا في الشركة المستثمرة التي وعدتهم بفرص عمل.
يأتي اللاهثون للأموال من البعيد، ليأكلوا رزق سكان لا يعرفون من العالم سوى غابتهم الممتدة (الجزيرة)
زعيم منطقة "ماساكا بيما"، فيليب نغيسار، يعتبر أن العمالة إفادتها متواضعة جدا، أمام ما تعطيه الغابة الغنية. هناك ثمار قد زُرِعت من أيام جدات الجدات. الأهالي والأمهات يؤكدون، أنهم يحرصون على تعليم أولادهم، وإرسالهم إلى المدارس.

نساء يعملن ويمشين في الغابة، ممشوقات رشيقات، يحملن على رؤوسهن سلات محملة بما تعطيه الغابة. لسنا بحاجة للتمارين الجيمناستيكية، التي يضطر لها سكان البلاد المتحضرة، والآتية منها شركات الاستثمار.

نساء لا يعلمن أنهن يتفوقن على أجمل عارضات العالم البلاستيكي. كذلك الرجال فارعو الطول، ذوو أجساد قوية، وعضلات نابضة. هذا كله بالإضافة إلى الشجر والغابات، وحدة متكاملة.

رئيس قسم البيئة "صموئيل ناغوغو" يعتبر أن تقديم الأراضي واختيار المنتجات التي تُزرع فيها يشبه زمن الاستعمار. آراء أخرى تقول ببناء اقتصاد ناشئ. فهذه الصناعات، لا بد أن توجد، مع السيطرة على الطريقة التي تجري بها هذه الأنشطة. تستورد البلاد من الخارج مواد غذائية كثيرة، لذلك لا تستطيع رفض العروض الاستثمارية بشكل مطلق.

لقد قرر الرئيس الجديد للبلاد، دعم المزارعين الصغار ماديا، وأيضا دعم المطاحن التي تشتري لب النخيل بسعر محدد، وتمويلها، وذلك للحد من الفقر. إذن لا شك أن الكاميرونيين بحاجة لأراضيهم.

حاليا تستورد الكاميرون، زيت النخيل من آسيا. فيما بعد سيُصبِح الأمر معاكسا، ويُفترض أن تصبح مُصدرة للزيت. أما بالنسبة لشركات الاستثمار، فقد تم تعديل شروط الاتفاق، وتخفيض مساحة الأراضي المستثمرة من 73 هكتارا إلى عشرين مع زيادة الضرائب. هذا القرار لم يُسر شركة الاستثمار، وقد أقدم رئيسها التنفيذي "بروس روبل" على الانتحار في نيويورك 2013.
ثمار نخيل الزيت تدخل في نشاطات اقتصادية واسعة (الجزيرة)

ينتهي الفيلم، تاركا تساؤلات لدى المشاهد: إلى أي حد أو إلى متى ستصمد الكاميرون من اجتياح الغابات المصطنعة؟ وإلى أي حد سَتُحمى الغابات الأصيلة وثرواتها؟ هل بعد اليوم سيعيش الكاميرونيون بطمأنينة، بعيدا عن الطمع في ثرواتهم الطبيعية؟ هل ستنجو الطبيعة النقية، وثقافة تمتد في القِدَم سنوات طويلة، من عيون الطامعين في أراضي الغير؟

يبدو أن الاستعمار يذهب من الباب، ليعود ويطل من النافذة. حماة الأرض يعتبرون ثمن الأرض المدفوع دائما أرخص من الأرض.

* كاتبة من لبنان

المصدر : الجزيرة