أنمار حجازي

انتهت مؤخرا فعاليات مهرجان الكاميرا العربية في روتردام، التي شهدت للمرة الأولى عَرضَ أفلام تركيبية، وهي ظاهرة جديدة في هذا النوع من المهرجانات المهتمة بالأفلام العربية. ويعود سبب هذا الاهتمام الجديد لمدير المهرجان المخرج روش عبد الفتاح الذي خَبِرَ عن قرب، كمّ المعاناة التي يعيشها المخرج وكمّ الإهمال الذي يعيشه هذا النوع من الفنون في عالمنا العربي.

وقد تم خلال المهرجان عرض ثلاثة أفلام تجريبية، هي "هش" لبالدين أحمد، و"كش ملك" لروج عبد الفتاح وانكريد رولما، و"كتاب في سفر" لرسمي الخفاجي.
 
من فيلم "هش" أحد الأفلام التجريبية في المهرجان (الجزيرة)

أفلام ثلاثة تمثل قطعا فنيةً تعتمد علامات الرمز والقرينة، والاستعارة والمجاز لتحمل في دواخلها مشاعر ورؤى مبدعيها، ولها قدرة على مس المشاهد بشكل غير واعٍ، الأمر الذي يعتبر مبدأ أساسيا في الأفلام التركيبية وما يعرف بالـ"فيديو آرت".

كان للمهرجان وقفاتٌ مع مخرجين مخضرمين كعرض فيلم "سلّم إلى دمشق" آخر أفلام المخرج السّوري محمد ملص، باعتباره فيلم الافتتاح في المهرجان. وكان ختامه مع عرض الفيلم الأخير للمخرج المصري محمد خان "فتاة المصنع".

أما الأفلام الرّوائية الطويلة، فقد حظيت سبعة أفلام بفرصة العرض وهي: فيلما محمد ملص ومحمد خان، و"جيش الإنقاذ" لعبد الله الطايع، و"طريق حسن "لإرنيستو دي نوفا، و"لا مؤاخذة" لعمر سلامة، و"مي في الصيف" لشيرين دعيبس، و"أسماء" لعمر سلامة.

تميزت هذه الأفلام بتعبيرٍ بصريٍ قوي وبأفكارٍ جديدةٍ جدا على المستويين البصري أو الفيلمي من جهة، والفكري من جهة أخرى، فمعظمها تتحدث عن قضايا اجتماعية حديثة على العالم العربي ومؤثّرة  فيه، خاصةً بعد الانفتاح على فكرة احترام حرية التعبير عن الرأي واعتباره تجربةً مقدسةً منذ الثّورات في العالم العربي التي شجعت الفنانين على اتخاذ خطواتٍ كبيرةٍ وجريئةٍ في الطّرح والتّقديم.

معظم المنتجين يعتمدون على المنح القليلة التي تؤمنها مؤسساتٌ ومهرجاناتٌ عالمية، تفرض على المبدع أشكالا متشابهةً من الأفكار المقدمة وطرقا شبه موحَّدة في مواجهة الحاجز الإنتاجي
الأفلام الروائية المُشاركة معظمها لمخرجين مصريين، وهذا أمرٌ طبيعيٌ في ظلِّ قوّة وفرادة الصّناعة السّينمائية المصرية التي تبدو عريقة وراسخة وأساسية في الاقتصاد المصري، الأمر الذي يميزها عن بقية العالم العربي حيث نجد أن الصّناعة السّينمائية الرّوائية تعاني من ضعف في الإنتاج للأفلام المستقلة أو حتى غير المستقلة على الرغم من وجود آلاف الشّركات في العالم العربي.

معظم المنتجين يعتمدون على المنح القليلة التي تؤمنها مؤسساتٌ ومهرجاناتٌ عالمية، تفرض على المبدع أشكالا متشابهةً من الأفكار المقدمة وطرقا شبه موحَّدة في مواجهة الحاجز الإنتاجي وبالتالي إشراك تقنيين أجانب، وغير ذلك من الأمور التي تُعقِّد الإنتاج الرّوائي، هذا إن تمكّن المخرج من إنتاج فيلمٍ طويلٍ أصلا.

ومعظم الأفلام المستقلة تتحدث عن قضايا متشابهة، وتُبين بشكلٍ رومانسي (أرى أحيانا أنه إجباري لخلق نوعٍ خاصٍ بالسّينما العربية) المواضيع التي تعانيها المرأة مثلا أو الاختلافات بين الأديان أو أحد المواضيع المتكرّرة في الأفلام العربية والتي تُعالَج تقريبا بنفس وجهة النظر.

ما هي مشكلة الإنتاج العربي للسّينما؟ هل هو ضعف الإنتاج بسبب قلة التوزيع؟ أو بسبب شبه انعدام ثقافة الذهاب إلى صالة السّينما وحضور فيلم محلي؟ أو لأسبابٍ أخرى؟ وما هي الحلول؟

روش عبد الفتاح اهتم بإدراج الأفلام التركيبية ضمن نشاطات مهرجان روتردام (الجزيرة)
أمرٌ بدأ يختلف منذ السّنوات الخمس الماضية فيما يخصّ الفيلم التّسجيلي، حيث ساعدت الثّورات العربية واستخدام الكاميرا أداة مقاومةٍ وسلاحٍ ونشوء مؤسساتٍ خاصةٍ بدعم الفيلم التسجيلي غالبها يدعم الفيلم شبه الصحفي، على تطور هذه الصّناعة وبدأ الإقبال عليها يتزايد من قبل المشاهدين العرب أنفسهم، حيث أصبحت عروض الأفلام التسجيلية أو تناقلها في القنوات حدثا يتناقله الجمهور على الشّبكات الاجتماعية.

أتى نشوء مؤسسات كالجزيرة الوثائقية أو منحة سَنَد أو بدايات أو حتى المساعدات الكثيرة التي يقدمها الاتحاد الأوروبي أو دولٌ منه بالنفع وبالمساعدة على تحريض فنانين أو صحفيين لإنجاز أعمالهم وتركيز تنفيذها في الإطار التسجيلي لأن إنتاج الفيلم التسجيلي أو أي من أنواعه يتطلب ميزانية قليلة عادة وطرقا أسهل في التنفيذ.

لكن مهنة التسجيلي ما زالت تفتقر إلى الكثير من الحرفية الفنية والتقنية لكون معظم الشباب الُمنتِج حاليا يكاد لا يميّز بين الفيلم التّسجيلي والرّيبورتاج الصّحفي الطّويل ويعتمد على تعليق يقدم أكبر عدد من المعلومات وأقل عدد من الحلول البصرية السّمعية.

المصدر : الجزيرة