زكريا جابر

كان التفاوض في إنتاج فيلم "مارلي" يذكر أن مارتين سكورسيزي كان عليه أن يستلم إخراج هذا الفيلم التسجيلي كإضافة إلى ملفه في الأفلام التسجيلية الموسيقية عن الموسيقيين والفنانين العالميين.
الجدير بالذكر أن سكورسيزي قد أنتج وأخرج الفيلم التسجيلي الطويل عن حياة الفنان والموسيقي الأميركي بوب ديلان، وكان جزءاً من سلسلة "عظماء أميركيون" (American Masters)، وهي سلسلة من الأفلام التسجيلية من إنتاج "WNET"، أو كما يسمونها أيضا "قناة رقم 13" وهي تنتج وتعرض منذ عام 1986 حتى اليوم.

لكن في نهاية المطاف كان على أحد آخر أن يتربع على عرش إخراج "مارلي". الفيلم التسجيلي هذا مدته 144 دقيقة، ومن إخراج الأسكتلندي الشهير كيفن ماكدونالد (47 عاماً) الذي أنتج وأخرج أفلاما تسجيلية مهمة، منها فيلمه الذي يتكلم عن عملية ميونيخ الشهيرة التي قتل فيها 17 بينهم خمسة رياضيين وستة مدربين إسرائيليين. وبالإضافة إلى هذا الفيلم، بدأ يدخل في مرحلة التطور من مخرجٍ إلى أيقونة سينمائية مع فيلم "مارلي".

سر نجاح بوب مارلي الساحق يكمن في بساطة كلماته وأهمية الرسالة التي تنشرها: التمرد على الظلم، والعدالة، والحرية، والسلام، ومحاربة الفقر، والحب بكل أنواعه
علينا الذكر أن ما كان يبرع فيه المخرج هو التركيز على شخصية واحدة كبورتريه مصوّر، وهذا ما حصل في فيلم "مارلي" الذي يستعرض حياة وموسيقى المغني الأسطورة "بوب مارلي" منذ ولادته، إلى علاقته بعائلته وبموطنه جامايكا، والنقد السياسي عبر الموسيقى حتى انخراطه في الديانة الراستافارية.
ملوك الموسيقى
لم يكن لموسيقى الريغي التي نشأت في جامايكا في ستينيات القرن العشرين، أن تنتشر وتكتسب أهمية عالمية لولا جهود أيقونتها "بوب مارلي". كلمة ريغي تعود إلي أصل إسباني قديم وتعني "ملوك الموسيقى".

ويكمن سر نجاح بوب مارلي الساحق في بساطة كلماته وأهمية الرسالة التي تنشرها: التمرد على الظلم، والعدالة، والحرية، والسلام، ومحاربة الفقر، والحب بكل أنواعه. ولم يكن ذلك كلاماً مجانيا يقال في أغنياته فقط، بل عملاً متحققاً أيضاً على أرض الواقع، فقد قال عنه رئيس منظمة العفو الدولية جاك هيلي "حيثما ذهبت، وجدت بوب مارلي رمزاً للحرية". كما قال منتج أعماله كريس بلاكويل "لقد كان بوب في وقت من الأوقات مسؤولا عن إطعام أربعة آلاف فقير تقريباً في جامايكا".

في عام 1962، تقدم بوب إلى فحص أداء مع المنتج ليزلي كونغ الذي أعجب بقدراته وأنتج له أول أغنية "لا تَحكُم" التي لاقت نجاحاً متوسطاً، ثم تلتها أغنيتان لم تنجحا. وقرر بوب أن الوسيلة الوحيدة لتحقيق طموحه هي تكوين فرقة. وهذا ما كان، إذ استطاع تكوين فرقة "البَكَّاؤون" مع خمسة من أصدقائه.

وفي عام 1963، وافق المنتج كليمنت دود -بعد فحص استماع- على إنتاج تسجيلات للويلرز. وهكذا خرجت أغنية "اهدأ" (Simmer Down) التي تصدرت المبيعات في جامايكا فور صدورها. وفي السنوات القليلة التالية، أصدرت فرقة الويلرز أكثر من ثلاثين أغنية.

لقد كان بوب يملك موهبة كبيرة، فهو يكتب الكلمات بنفسه ويلحنها ثم يغنيها مع الويلرز.
يظهر بوب مارلي في الفيلم متكلماً عن فنه وسيرته من خلال أرشيف واسع من المقابلات والفيديوهات التي جمعها المخرج ماكدونالد.
عرقان مزدوجان
خلال الفيلم، يظهر بوب مارلي في الأرشيف مناضلا ضد العنصرية في بلاده وضد التفرقة، وكانت تسميه زوجته ريتا مارلي بأنه كان المختلف لأنه لم ينتم إلى أحد. كان يتمتع بمزيج أبيض وأسود في عرقه، والشائعات تقول إنه كان يعاني في التعايش مع التلاميذ الآخرين بمدرسته لأنه ذو عرق ممزوج. وهو يعلق على هذا الموضوع قائلاً "أنا لا أتحيز ضد نفسي.. والدي أبيض البشرة وأمي غامقة البشرة، وأنا لا أجد نفسي إلا بين يدي الله وتحت إمرته وحده، فهو خلقني ذا عرقين ممزوجين لأحبهما بعدالة".
لم يكن لموسيقى الريغي التي نشأت في جامايكا في ستينيات القرن العشرين، أن تنتشر وتكتسب أهمية عالمية لولا جهود أيقونتها بوب مارلي. وكلمة ريغي تعود إلي أصل إسباني قديم، وتعني ملوك الموسيقى

يتضمن الفيلم مقابلاتٍ عدة مع عائلة مارلي، من زوجته إلى أولاده الذين أصبحوا الآن أيضاً من النجوم في عالم الريغي والروك.

يتمتع الفيلم بسلاسة المونتاج والتقطيع الفني الذي يُظهر مارلي بحالاته كلها من خلال أرشيف واسع من الحفلات وجلسات التسجيل القديمة والمقابلات معه، وهو يتحدث عن كل شيء لم يعرفه الناس من الموسيقى إلى العيش بسلامٍ وحرية، إلى التطور من ملحن لم يبع أسطوانةً إلى أن يظهر وجهه على معظم بضائع العالم ومعظم لافتات الذين يؤمنون بالحرية.

الفيلم ترشح لعدة جوائز عالمية ومنها جائزة الأكاديمية البريطانية، وسجل ربحاً بمليوني دولار من الأسبوع الأول من العرض.

بوب مارلي توفي بعد معاناة شديدة مع مرض السرطان الذي بدأ بورم في إصبع رجله الصغير، وهو الذي لم يرض بأن يعالج ببتر هذا الإصبع، فهو يؤمن بأنه سيموت كما ولد كامل الجسد، ثم تطور مرضه ليصبح السرطان بوابة دخوله إلى السلام الأبدي عام 1981.

المصدر : الجزيرة